عدد الزيارات: 1.1K

لغة الإنجيل


إعداد: الدكتور/ أحمد محمد زين المنّاوي
آخر تحديث: 24/10/2016 هـ 19-01-1438

رسام عالمي تحتشد متاحف العالم الكبيرة بلوحاته وتحتفي بها.. شكوكه الكثيرة في طقوس الديانة المسيحية وتعاليمها جعلته غارقًا وسط طوفان من القلق وأمواج من الحيرة.. بحوثه المضنية في الديانة المسيحية ومناظراته الحادة مع قساوستها جعلته يرفض المسيحية بشكلها المحرّف الحالي ويتيقن تمامًا أنها ليست المسيحية التي أنزلت على نبي الله عيسى -عليه السلام-. بحث في الإسلام فتيقن تمام اليقين أنه الدين الحق الذي لم يتعرّض لأي تحريف أو تبديل منذ أن أوحي به، فاعتنقه ووجد فيه تسامحًا وضيئًا مع نفسه ومع العالم.. إنه الرسام والمفكر الفرنسي المعروف إتييان دينيه بطل هذه القصة.

ولد إتييان دينيه في العاصمة الفرنسية "باريس" عام 1861م.. إلى جانب تميُّزه بلوحاته المشهورة التي تتصدر صالات العديد من متاحف العالم، عُرف إتييان دينيه بحبه لحياة العرب وهو حب انتهى بدفن جثمانه -بعد حياة حافلة بالإنجازات الفكرية والفنية- في أرض عربية بادله أهلها حبًّا بحب.

اشتهر إتييان دينيه بمقدرته الفنية الكبيرة في الرسم والتصوير والتي نتج منها لوحات متفرّدة أشاد بها النقاد.. وتتصدر صالات متحف باريس العديد من لوحاته الشهيرة التي من بينها لوحة تحمل اسم "غداة رمضان"، كما أن له لوحات أخرى عديدة في متاحف "لوكسمبرج" و"سدني" وفي غيرها من متاحف العالم.

طبيعة عمله الفني أكسبته نزعة دينية عميقة.. امتزاج الاثنين -أي الفن والدين- مع بعضهما بعضًا جعلا منه خير مثال للإنسان الملهم الشفيف رقيق المشاعر.. عقله المتفتح ونزعته الدينية المتعمقة وواقع الديانة المسيحية في مجتمعه شديد التناقض، هذه كلها عوامل جعلته حائرًا في معتقداته الدينية وقلقًا على مصيره بعد الموت.

تأمّله في النصوص المقدّسة، وتدبّره في العقائد التي يدين بها من حوله جعلاه يفكّر بعمق في بعض المفاهيم الدينية السائدة من حوله مثل: المسيحية والكنيسة والبابا المعصوم وعقيدة التثليث والصلب والفداء والغفران، وإلى غير ذلك من المفاهيم والتعاليم التي لم يشعر حيالها بالراحة.

أعاد قراءة الأناجيل قراءة ناقدة فاحصة آملًا أن يجد فيها سمة صدق تخلّصه من قلقه وتزيل حيرته حتى يؤمن من داخل أعماقه بفكرة المسيح ابن الله.. أوصلته قراءاته الموضوعية هذه إلى نتائج مغايرة.. فوجد في الأناجيل ما يتنافى مع الصورة المثلى للإنسان الكامل التي يجب أن يشخصها الدين القويم.. قرأ في الأناجيل أقوالًا عجيبة نسبت للمسيح لا تتسق مع الفطرة السليمة، ومن بين تلك الأقوال ذكر لنا ما يلي:

"في اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل، كانت أم يسوع هناك، ودعا يسوع تلاميذه إلى العرس ولما فرغت الخمر قالت أم يسوع له: ليس لهم خمر.. قال يسوع: ما لي وما لك يا امرأة!" (إنجيل يوحنا – الإصحاح الثاني عشر).

ومن الأقوال المنسوبة للمسيح التي توجب كراهية الأقرباء:

"إن كان أحد يأتي إليّ ولا يبغض أباه وأمه، وامرأته وأولاده، وإخوته وأخواته، حتى نفسه أيضًا، فلا يقدر أن يكون تلميذًا لي" (إنجيل لوقا – الإصحاح الرابع عشر).

كذلك من الأقوال الغريبة التي قرأها "دينيه" منسوبة للمسيح:

"وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد، ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن إلا الأب" (إنجيل مرقص – الإصحاح الثالث عشر).

وإلى غير ذلك من النصوص الغريبة التي جعلته يشك في صحة الأناجيل التي اطلع عليها.. والأمر الوحيد الذي لم يراوده فيه شك حقيقة أن الله تعالى أنزل الإنجيل على عيسى -عليه السلام- بلغته ولغة قومه، بيد أن الإنجيل الحقيقي الذي أنزل عليه ضاع وحرّف واندثرت تعاليمه الأصلية، حيث تم استبدال أربعة أناجيل مهجّنة ومشكوك في أمرها به، ويكفي دليلًا على تحريفها حقيقة أنها مكتوبة باللغة اليونانية، وهي لغة غريبة عن لغة عيسى -عليه السلام- الأصلية التي أنزل بها الإنجيل وهي لغة سامية لا علاقة لها باللغة اليونانية.

سؤال كبير جدًّا يطرح نفسه هنا: كيف كُتب الإنجيل باليونانية برغم أن المسيح كان يتكلم الآرامية؟

سؤال آخر: هل الإنجيل الأصلي الذي باللغة الآرامية موجود هذا الزمان؟ (*)

هذا يعني أن كل من يقرأ الإنجيل إنما يقلّد المترجم، والمترجم لا علم له، إذ لم يطلع على الحقيقة، لكنه أُخْبِر بشيء فصدقه، والمترجِم ليس معصومًا من الخطأ والتحريف عمدًا.

قراءاته الكثيرة وبحوثه المضنية ومناظراته الطويلة مع قساوسة الكنيسة أوصلته  -كما سبق ذكره في مقدمة هذه القصة- إلى رفض المسيحية تمامًا إذ وصل إلى يقين صادق مفاده أن المسيحية الحالية ليست هي المسيحية الأصيلة التي أنزلها الله تعالى على عيسى -عليه السلام- بل لا يربط بين الاثنتين سوى الاسم فقط.

عقب قناعة تامّة توصل لها مفادها أن المسيحية بتحريفها لا تشبع غريزته الدينية رأى "دينيه" أن يتجه إلى عقله علّه يهديه سواء السبيل بيد أنه وجد الأخير عاجزًا عن تلبية أشواقه المتمثلة في إشباع هذه الغريزة.

فكّر في الاستفادة من تجارب الآخرين الذين توصلوا إلى ما توصل إليه من تحريف مروع حل بالمسيحية.

سأل نفسه: ماذا فعل هؤلاء؟! رأى أن معظمهم وجد ضالته في الإسلام ما جعله يتجه إليه ليستكشف كنهه.

بعد دراسات استكشافية توصل إلى أن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي حفظه الله تعالى من التحريف والتبديل.. تتعدد الطوائف الإسلامية وتتنوع إلى عشرات الفرق ولكن القرآن الذي يؤمنون به واحد ليس فيه أي اختلاف، ولم يحدث فيه أي تغيير منذ أن أوحي به حتى الآن! عقب ذلك وفي سبيل الاستزادة بمعرفة الإسلام قرأ بعمق العديد من الكتب فعرف الكثير عن الإسلام ساعدته في ذلك معايشته للبيئة الإسلامية.

تمخضت قراءات إتييان دينيه السابق ذكرها إلى اعتناقه الإسلام.. وقد أحدث إسلامه ضجة في أوساط الطبقة الفنية في فرنسا فاتهموه بالخيانة، ولكنه لم يعبأ بالكلام الذي حيك عنه، ذلك أنه اتخذ الإسلام دينًا عن قناعة تامة وهو الأمر الذي أكسبه القوة في مواجهة الآخرين.. ليس هذا فحسب بل تحول إلى داعية مخلص صادق رفد الدعوة الإسلامية بالعديد من المؤلفات القيمة مثل "محمد رسول الله" و"أشعة خاصة بنور الإسلام" و"الحج إلى بيت الله الحرام".. و"الشرق في نظر الغرب" وغيرها من الدرر النفيسة التي تفتقت عنها عبقرية إتييان دينيه قبل أن تفارق روحه الطيبة الدنيا الزائلة إلى دار الخلود.

عندما بلغ السبعين من عمره توفي إتييان دينيه بعد حياة حافلة بالبذل والعطاء اختتمها بمسك ختام تمثل في الدعوة إلى الله تعالى..

وري جثمانه الثرى بمدينة "بوسعادة" بالجزائر بناءً على وصيته وسط حشد كبير من المشيّعين ضم عامة الناس، وكبار المسؤولين وعارفي فضله.

----------------------------------

المصادر:         

أديب، الطيب (2012)؛ عباقرة الغرب لماذا أنصفوا الإسلام؛ القاهرة: دار المعرفة للنشر والتوزيع.

فارس، نايف منير (2010)؛ علماء ومشاهير أسلموا؛ الكويت: دار ابن حزم.

الموسوعة الحرة (ألفونس إتيان دينيه: https://ar.wikipedia.org/wiki).

 

حاشية:

* في عام 2012 عُثر في تركيا على نسخة نادرة من الإنجيل مكتوبة باللغة الآرامية وتعود إلى ما قبل 1800عام، حيث يحوي نبوءة المسيح -عليه السلام- بظهور النبي محمد -صلى الله عليه وسلّم- ولكن الكنيسة المسيحية عمدت إلى إخفائه طوال السنوات الماضية لتشابهه الشديد مع ما جاء في القرآن الكريم بخصوص ذلك. ويتوافق مضمون هذه النسخة من الإنجيل مع العقيدة الإسلامية، حيث يصف المسيح بأنه بشر وليس إلهًا يُعبد، فالإسلام يرفض الثالوث المقدس وصلب المسيح. وجاء في نسخة الإنجيل أن المسيح أخبر كاهنًا سأله عمن يخلفه، فقال: "محمد هو اسمه المبارك".

 


تعليقات (
0
)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.