عدد الزيارات: 4.7K

لأنه يكره العرب


إعداد: الدكتور/ أحمد محمد زين المنّاوي
آخر تحديث: 20/10/2016 هـ 15-12-1437

هل تفاجأت يومًا بأمر مباغت وغير متوقّع أغلق عقلك كليًّا عن التفكير؟!

وهل شعرت يومًا بأن عقلك أصابه الشلل التام من أمر مهم حدث أمامك وأنت تستبعد حدوثه تمامًا؟

وهل شعرت يومًا بأن أمرًا مهمًّا حدث أمامك ولكنك لم تصدّق حدوثه؟!

هذا ما حدث بالضبط في تنزانيا قبل يومين من أعياد الميلاد سنة 1986، حيث دخل رئيس الأساقفة، الأمين العام لمجلس الكنائس العالميِّ لشؤون أفريقيا، الدكتور مارتن جون موايبوبو، على المصلِّين في الكنيسة، ومن دون أي مقدمات أعلن أمامهم أنَّه سوف يترك المسيحيَّة ويعتنق دين الإسلام. كان حشد المصلِّين في حالة شللٍ تامٍّ للصدمة الَّتي أصابتهم لسماع هذا القرار الخطير الذي عصف بألبابهم، إلى درجة أنَّ مساعد الأُسقف قام من مقعده وأغلق الباب والنوافذ، وصرَّح لأعضاء الكنيسة بأنَّ رئيس الأساقفة قد جُنّ.

ومثلما كان القرار مباغتًا، كان ردَّ فعل المصلِّين مُفجعًا على حدٍّ سواء! فقد اتَّصلوا بقوات الأمن، التي جاءت في الحال وأخذت ذلك الرَّجل "المجنون"، وتحفّظت عليه في زنزانة انفرادية، إلى أن جاء أحد المسلمين وكفله لإطلاق سراحه. لقد كان هذا الحادث بدايةً لطيفةً لما كان ينتظر هذا الأُسقف من صدمات وأهوال.

لقد كان لإسلام رئيس الأساقفة اللوثريِّ التنزانيِّ مارتن جون موايبوبو صدًا مدوّيًا ارتجت له دعائم الدين المسيحي في كل أرجاء العالم، وذلك لطبيعة المنصب الإقليمي الرفيع الذي كان يشغله هذا الرجل، ومستواه العلمي، حيث لم يحصل فقط على الدبلوم في الإدارة الكنسيَّة من إنجلترا، والبكالوريوس والماجستير في اللّاهوت من ألمانيا، بل وعلى شهادة الدكتوراه أيضًا. هذا ما فتح شهية الصحفي سيمفيوي سيسانتي لتحقيق سبق إعلامي وإجراء مقابلة مهمة مع هذا الرجل، وهي المقابلة التي نقتطف لكم منها فيما يلي بعض الفقرات التي تسلط الضوء على الدوافع الحقيقية التي أقنعت رجلًا مسيحيًّا بهذه القامة بترك دينه ودين أجداده والتحول إلى الإسلام.

إنَّها قصَّة رجلٍ مسيحي تم تعميده بعد سنتيْن فقط من ولادته؛ وبعد خمس سنواتٍ كانت الأسرة تراقبه بفخرٍ واعتزاز وهو يصبح خادم المذبح في القُدَّاس، ناظرين إليه وهو يساعد كاهن الكنيسة بتحضير "جسد ودم" المسيح -عليه السَّلام- وهو ما ملأ عائلته بالفخر، وشغل أباه بالأفكار حول مستقبل ابنه.

يسترجع مارتن موايبوبو ذكرياته قائلًا: فيما بعد -وعندما كنت في المدرسة الدَّاخليَّة- كتب إليَّ أبي قائلًا أنَّه يريدني أن أُصبح راهبًا.. وفي كلِّ رسالةٍ كان يكتب لي ذلك.. يا بنيّ، قبل أن أغمض عيني (أموت)، سأكون مسرورًا إن أصبحت راهبًا.

هذا ما قاله الأب لابنه، وهكذا فعل الابن؛ وهو القرار الَّذي دفعه للسفر إلى إنجلترا عام 1964 للحصول على الدبلوم في إدارة الكنائس؛ وبعد ذلك بسنة سافر إلى ألمانيا للحصول على البكالوريوس.. وبعد عام آخر عاد إلى بلاده وأصبح أُسقفًا عاملًا.. وفيما بعد رجع إلى ألمانيا ليحصل منها على الماجستير في اللّاهوت.

ثم بدأ يفكر في نيل شهادة الدكتوراه في اللّاهوت.. وبدأ معها مرحلة البحث والدراسة بعمق، وفتح على نفسه بذلك أبوابًا لتساؤلات حتمية تواجه كل مسيحي يصل إلى هذه المرحلة من الوعي والنضج الفكري، فمنهم من يتجاهلها ويتغافل عنها، ومنهم من يواجهها بحسم فيبحث عن أجوبة مقنعة عنها.

يقول الدكتور موايبوبو: بدأت أتساءل باندهاش، فهناك المسيحيَّة والإسلام واليهوديَّة والبوذيَّة، وكلُّ دينٍ منها يدَّعي أنَّه الحقّ؛ فما هي الحقيقة؟ كنت أريد الحقيقة!

انطلاقًا من هذه التساؤلات بدأ موايبوبو بحثه الذي اختزله في الأديان الرئيسيَّة الأربعة.

كان عليه أن يحصل على نسخة مترجمة لمعاني القرآن وكان له ما أراد وحصل عليها!

ولكن ماذا حدث بعد ذلك؟

لقد كانت المفاجأة أنه فتح النسخة المترجمة لمعاني القرآن للمرّة الأولى على سورة الإخلاص..

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)

هذه السورة خمس عشرة كلمة فقط ولكنها تنسف العقيدة المسيحية كلها من أولها إلى آخرها!

يتذكر موايبوبو قائلًا: كانت تلك هي اللّحظة التي بدأت فيها بذور الإسلام بالنموِّ في دواخلي، وهو الدِّين غير المعروف بالنِّسبة إلي.. وبعد دراستي له اكتشفت بأن القرآن الكريم هو الكتاب المقدَّس الوحيد الَّذي لم يُشوِّههُ الإنسان منذ الإيحاء به.. وهذا ما قُلْته كخاتمةٍ في رسالتي للدكتوراه، ولم يكن يهمُّني إنْ كانوا سيمنحوني الدكتوراه أم لا، لأنَّ هذه هي الحقيقة؛ وأنا كنت أبحث عن الحقيقة.

ويستعيد موايبوبو ذكرياته قائلًا: ذهبت إلى أستاذي فان بيرغر (مسيحي)، وأغلقت الباب خلفي، ثمَّ نظرت إليه في عينيه، وسألته: من كلِّ الأديان الَّتي في الدُّنيا، أيُّها هو الدِّين الحقّ؟ فأجابني من دون تردّد: "الإسلام"! فسألته: "فلماذا أنت إذاً لست مسلمًا؟".. فقال لي: "أوَّلًا: أنا أكره العرب؛ وثانيًا: أنت ترى كلَّ هذا الترف الَّذي أنعم فيه، فهل تعتقد بأنِّي سأتخلَّى عن كلِّ ذلك من أجل الإسلام؟".

بدأ موايبوبو يتفكّر في جواب أستاذه المحبوب، وبدأ يتفكّر في حالته الخاصة، في منصبه المرموق، وسياراته، وبيته، ومكانته الاجتماعية.. كلُّ ذلك خطر بباله في تلك اللّحظة. وهو غير مستعد للتنازل عن ذلك كله في لحظة، وهو إذًا لا يستطيع إعلان إسلامه. وهكذا وبكل سهولة صرف موايبوبو النظر عن الفكرة.

ولكن آيات القرآن التي قرأها وترسّخت في ذهنه كانت لا تغيب عن خاطره، ومعانيها العميقة كانت تشد انتباهه باستمرار ليس في اليقظة فقط، بل وفي النوم أيضًا، حيث كانت هناك رؤيا محددة ظلت تلاحقه على مدى سنة كاملة، فيرى من خلالها آيات القرآن أمامه، وأُناسًا موشحين بالبياض يأتون إليه، "خاصَّةً في أيَّام الجُمَع"؛ وظل على هذه الحال لفترة طويلة وهو يقاوم حتَّى استسلم وأسلم في نهاية المطاف.

ينفق مجلس الكنائس العالمي المليارات من الدولارت في سبيل التبشير بالدين المسيحي، ويذرف أطنان من   الدموع  بل ويسفك دم من خرج من ظلمة المسيحية المحرّفة إلى نور الإسلام المبين هذا لو كان  ذلك الخارج   من المسيحية شخص بسيط من عامة الناس.. فماذا تتوقع أن يكون ردّ فعلهم حينما يكون ذلك الشخص هو رئيس أساقفة، وأحد ركائز الدين المسيحي في قارة بأكملها، وعالم من علمائهم حاصل على الدبلوم في الإدارة الكنسيَّة، و البكالوريوس والماجستير في اللّاهوت، وكذلك الدكتوراه في ذات المجال؟!

ولذلك كان على الدكتور مارتن جون موايبوبو أن يدفع ثمن إسلامه عاجلًا ماديًّا وأدبيًّا، فقامت الكنيسة بتجريده من بيته وسياراته في الحال، ولم تستطع زوجته تحمُّل ذلك فحزمت حقائبها وأخذت أولادها وتركته. وعندما ذهب إلى والديه، طلب منه والده انتقاد الإسلام علانية، بينما قالت له والدته إنها "لا تريد أن تسمع أيَّ تُرَّهات"!

وهكذا بين عشية وضحاها أصبح رئيس الأساقفة، الأمين العام لمجلس الكنائس العالميِّ لشؤون أفريقيا، مارتن جون موايبوبو، وحيدًا لا أهل ولا مأوى له.. وفي اليوم التَّالي بدأ رحلته إلى حيث تنتمي عائلته أصلًا -إلى كاييلا- على الحدود بين تنزانيا ومالاوي.. وبذلك انتقل موايبوبو من رفاهية منزل رئيس الأساقفة ليعيش في بيت من الطين. وبدلًا من راتبه الكبير كعضوٍ في المجلس الكنسي العالمي كأمينٍ عام لشرق أفريقيا، بدأ بكسب قوته كحطّاب، وحرَّاث لأراضي الآخرين، وبدأ حياة جديدة، والتفكير في بناء أسرة جديدة.

وفي الأوقات الَّتي لم يكن يعمل فيها كان يدعو موايبوبو، الذي غيّر اسمه إلى "أبو بكر"، إلى الإسلام علانية، الأمر الذي قاده إلى سلسلةٍ من الأحكام بالسِّجن لعدم احترام المسيحيَّة.. وبينما كان يؤدي فريضة الحج في عام 1988، غدر به الأسقف ودبّر له مؤامرة أدت إلى تفجير بيته، وترتب على ذلك مقتل أطفاله التوائم الثلاثة.

ويُضيف موايبوبو بأنَّه بدلاً من أن يحبطه ذلك فقد فعل العكس، لأنَّ عدد الَّذين كانوا يعلنون إسلامهم كان بازدياد مستمر.. الأمر الذي أزعج أصحاب النفوذ من النصارى.. وفي عام 1992 اعتُقِل لمدَّة عشرة أشهرٍ مع سبعين من أتباعه، واتُّهموا بالخيانة، ولحُسن حظِّه فقد بُرئت ساحته، وبعد ذلك مباشرةً هاجر إلى زامبيا منفيًّا بعد أن نُصِحَ بأنَّ هناك مؤامرة أكيدة لقتله والتخلص منه.

وفي ختام مقابلته مع الصحفي سيمفيوي سيسانتي، يوجه رئيس الأساقفة، الأمين العام لمجلس الكنائس العالميِّ لشؤون أفريقيا، الدكتور مارتن جون موايبوبو، رسالته إلى المسلمين بقوله: إنَّ هناك حربًا على الإسلام.. وقد أغرقوا العالم بالمطبوعات.. والآن بالتحديد يعملون على جعل المسلمين يشعرون بالعار بوصفهم لهم بالأُصوليِّين.. فيجب على المسلمين ألا يقفوا عند طموحاتهم الشَّخصيَّة، ويجب عليهم أن يتَّحدوا.. فعليك أن تدافع عن جارك إن كنت تريد أن تكون أنت في أمان.

-----------------------------------------------------

المصادر:

فارس، نايف منير (2010)؛ علماء ومشاهير أسلموا؛ الكويت: دار ابن حزم.

معدِّي، الحسيني الحسيني (2009)؛ الإنجيل قادني إلى الإسلام؛ حلب: دار الكتاب العربي.

 


تعليقات (
0
)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.