عدد الزيارات: 1.1K

حليب العذراء


إعداد: الدكتور/ أحمد محمد زين المنّاوي
آخر تحديث: 24/10/2016 هـ 19-01-1438

ولدت وترعرعت في بيئة بروتستانتية تميّزت بالتعصب المتطرّف.. تطبيقات الطقوس الخاوية والشعائر التعبدية الباردة أصابتها بالملل المميت.. بحثها عن الإيمان الصحيح دفعها إلى التفكير في التخلي عن البروتستانتية.. انقسام عائلتها بين كنيستين بروتستانيتين أشعل بينهما مناقشات حادة.. حضورها لتلك المناقشات كطفلة جعل الدين عندها مسألة غامضة ومحدودة خالية من الحس الديني الحقيقي.. عندما نضجت علمت أن الكنيسة تحارب العلم.. بدأت رحلة البحث عن دين حقيقي يدخل الطمأنينة الروحية في أعماقها.

تناهى إلى مسامعها أن الدين "المحمدي" هو آخر الأديان.. سمعت بما وصفه به المستشرقون بأنه دين لا يصلح إلا للشعوب الهمجية المتأخرة.. ولكن على الرغم من ذلك سعت إلى دراسته بجديّة فوجدت فيه ضالتها المنشودة.. إنها بطلة هذه القصة الكاتبة الإيطالية المعروفة إيبيانك مودواودي التي أنقذتها فطرتها السليمة من ظلمات الطقوس الميّتة الباردة إلى قمة فضاء نوراني سامق من الإيمان الحقيقي.

تقول الكاتبة إيبيانك وهي تروي لنا قصتها: "كنت أستغرق في تأملاتي طويلًا.. وكنت أشعر بحاجة قوية لاعتناق دين حقيقي قادر على غرس الطمأنينة الروحية في أعماق قلبي.. دين قويم يقر بوحدانية الخالق كإله حقيقي، وليس كما يصفه بعضهم كأسطورة لا وجود لها في واقع الحياة.. فعندما اعتنق أحد أبناء عمومتي الكاثوليكية شعرت برغبة ملحة لدراسة الكاثوليكية.. درستها فوجدت بونًا شاسعًا بين مبادئها وأصول تطبيقاتها.. تمنيت لو أغمض عيني لأحتفظ بسلام داخلي طالما ظللت أحلم به هربًا من شكوك ظلت تحوم حولي، وصعاب ما انفكت تعتريني في حل مسائل مختلطة تحتاج إلى تحليل.. طلبت يومًا من صديق واسع الاطلاع في شتى المواد التاريخية والفلسفية أن يحدثني حول حقيقة التعاليم الكاثوليكية فأجابني قائلًا:

"عرجي إذا شئت على زيارة كنيسة نوتردام بباريس، وتأملي من بعيد بناءها الشاهق، والوهاج من شعاع الشمس المنعكس عليها، ودققي في رسومها وفن عمارتها، وأنعمي النظر، وإذا كنت تستطيعين فحللي تلك الرموز المنقوشة وهذه الخطوط المسطورة والرموز العظيمة، فإنك تجدين الحقيقة التي تفتشين عنها، فكل ما ترينه هو كتاب مسطور من جماد لا يقرؤه إلا من عرف قيمته"!.

نصيحة صديقي الغالية أوصلتني إلى يقين مريح مربح مفاده أن الكنيسة تحرص على أن يظل مريدوها يعيشون في حالة من الجهالة التامّة، ويظلون بعيدين كل البعد عن الدراسات العلمية وإنارة العقول.. نعم كم من المرات صرحت الكنيسة -بلسان الحال أو المقال- بأنها عدوة للعلوم والعقول المستنيرة ويكفي شاهدًا على ذلك حادثة حرق مؤلفات "جاليليو" التي تظهر عداء الكنيسة للعلم والحقيقة.

ثم تنتقد الكاتبة الكنيسة قائلة: "تقديس الآثار المقدسة التي هي من تركة القديسين لم تكن سوى عادة جارية منذ القدم، تبنتها الكنيسة بشكل مختلف.. هناك الكثير من الآثار والمتروكات المقدسة التي يرجعها المسيحيون للسيد المسيح.. فهناك نجد المسامير التي ساعدت على صلبه، والتي لم تظهر قدسيتها قبل القرن الثاني، كما نجد الألبسة والأزياء التي تعود له (أي للسيد المسيح) فضلًا عن الآلات الصليبية.. ويتمثل الأكثر غرابة في أنهم اجتهدوا حتى في تصوير عرق المسيح، وفي الحصول على كميات كبيرة من حليب العذراء!! بل خيل للكنيسة أن الأخشاب التي صلب عليها المسيح لا تزال باقية على حالها.

أوردت الكاتبة كذلك أنها وجدت تصورات عن طبيعة القديسين ذكرها الكُتاب المسيحيون الأقدمون تشير إلى أن للقديسين عدة رؤوس وأقدام، بل وصل بهم الحال أن وصفوا كل قديس على حدة بعدد ما يملكه من رؤوس وأقدام! فعلى سبيل المثال ذكروا أن للقديس "سان جورج" ثلاثين جسمًا كما أن للقديس "سان جان باتيست" -الذي كان بعرف الكنيسة رمزًا دينيًّا- عشرة رؤوس، كما ذكروا أن للقديس جوليان عشرين جسمًا وستة وعشرين رأسًا، وإلى غير ذلك من الأقدام المقدسة والقديسين متعددي الرؤوس!!.

ثم أضافت الكاتبة ما يفيد أن الكنيسة منحت أسماء جديدة للعديد من القديسين، فسمّتهم بأسماء الأمكنة الأثرية ونسبت إلى تلك الأمكنة شرف المعجزات والأحداث السالفة التي حدثت للأقدمين.. فهناك على سبيل المثال المياه المعدنية التي ينسبون أصلها الخرافي للقديس رومان وإلى غير ذلك من المفاهيم الغامضة والخرافات التي يرفضها العقل السليم.

وترى الكاتبة أن الدين يجب ألا يكون غامضًا ومبهمًا يستعصي على الفهم.. فالكنيسة حرّمت قراءة الإنجيل بمعزل عن تفاسير الكهنوت، الأمر الذي جعل الكثلكة أمرًا مبهمًا يحيط به الغموض من كل جانب.. ومن ناحية أخرى أشارت الكاتبة إلى أن الكنيسة منحت قضية التثليث الأهمية الكبرى إذ حتّمت على الكاثوليكي ضرورة الاعتقاد بثلاثة آلهة: الله الأب.. والمسيح الابن.. والروح القدس، مع أن نظرية التثليث تعتبر نظرية شديدة القدم وليست ابتداعًا كاثوليكيًّا حديثًا نسبيًّا.

أمام كل ما يعتري المسيحية من غموض وما يجول بعقل بطلة قصتنا من شكوك، شعرت الأخيرة بأنها في حاجة إلى دراسة الدين الإسلامي بعد أن سمعت عنه بأنه آخر الأديان.. بيد أنها تصورته -في بادئ الأمر- دينًا شرقيًّا لا يتفق مع العقلية الغربية ولا يتسق مع حضاراتها.. كرس في عقلها هذا الفهم الخاطئ عن الإسلام ما ذكره المستشرقون عن المسلمين حيث وصفوهم بأنهم قوم متأخرون، وجاهلون، وهمجيون.. كما وصفوا الإسلام بأنه لا يصلح إلا للشعوب المتخلفة الهمجية.. وعلى الرغم من الافتراءات الكثيرة التي سمعتها عن الإسلام والمسلمين فإنها وجدت في الإسلام ضالتها المنشودة التي كانت تبحث عنها منذ أن استوى وعيها ونضج فكرها.

تقول الكاتبة عن الإسلام إنه جاء بأكبر الحقائق عن الله بصورة واضحة مختصرة في شهادة عظيمة مفادها "لا إله إلا الله"، وتضيف بأن هذه الشهادة عبارة عن نظرية حقة جاء بها الإسلام ليعلمنا أن الله واحد، حي، صمدي، أزلي، حاضر في كل زمان ومكان.

وأفادت الكاتبة أن الإسلام يختلف عن المسيحية في أن العلماء المسلمين لا يملكون إلا صفة الدين والتشريع، على عكس حال الرهبان في الديانة المسيحية الذين يدعون ألوهية المسيح وقد ينسبها بعضهم لنفسه.

ثم أردفت قائلة إن نفسها اطمأنت حينما علمت أن سيدنا محمدًا -صلى الله عليه وسلّم- أبى أن ينسب إليه شيئًا من الألوهية مصداقًا لقول الله تعالى: "قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَـهُكُمْ إِلَـهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ" (سورة فصلت 6).

ثم أشارت إلى إن الإسلام لا يقدّس الأشخاص مهما كان شأنهم، واستشهدت على ذلك بالكلمات التي تفوّه بها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، حينما تعالت أصوات النحيب والصراخ عند وفاة النبي -صلى الله عليه وسلّم- حيث قال مخاطبًا الناس: "من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت".

ووصفت الكاتبة الإسلام بأنه وضع المرأة في المكانة الاجتماعية اللائقة بها والضرورية لصيانة عناصر أنوثتها، وأشارت إلى أن ما منحه الإسلام من حقوق للمرأة في المعاملات والاعتبارات الذاتية يفوق ما منحته إياها المسيحية بصورة كبيرة.

وتحدثت بطلة قصتنا عن التعاليم الأخلاقية التي تميز الإسلام عن غيره من الأديان من منطلق أنه غير منفصل عن الأخلاق البشرية والآداب الإنسانية، كما أشارت إلى تطبيقه الحقيقي -في شريعته- للعدالة الاجتماعية والديمقراطية التي سعى الغرب لتطبيقها منذ عدة قرون دون أن ينجح في تطبيقها بالصورة المثلى التي يريدها منظّروه.. كما أشارت إلى الزكاة التي فرضها الإسلام على كل مسلم مقتدر والتي تسهم في حل مشاكل الفقراء والمحتاجين.. أما الصلاة فقد تحدثت عنها الكاتبة كحلقة من الاتصال بين العبد وربه، كما قارنت بينها وبين صلاة الكنيسة الترتيلية التي تعتمد على مجرد الكلام الأجوف والأناشيد الصاخبة.. ولم تغفل الكاتبة في كتاباتها الحديث عن شعيرتي الصوم والحج بمنافعهما الكثيرة العميقة وبما لهما من معانٍ خاصة في حياة المسلمين.

 ومن الأشياء المهمة التي تحدثت عنها الكاتبة -حديث العارف والمجرب- إمكانية استفادة الغرب من الإسلام وحل كل مشاكله المستفحلة عبر تعاليمه وتشريعاته وذلك بقولها: "ليس في العالم سوى دين واحد يقوم بحاجات البشر كاملة، ويقود البشرية إلى أرقى مجالات العمران والتقدم، ويهذب الأفكار.. وهذا الدين هو الإسلام.. لماذا لا يكون هذا الدين.. الدين المتين الأوحد للحلول المنظور فيها؟... ولماذا لا تتخذ التعاليم القرآنية كتعاليم عالمية، وقد أتى القرآن رافعًا منارة الحقائق الإنسانية؟.. إن الإسلام بتعاليمه الإنسانية الشاملة لهو دين العالم المتمدن الحديث.. ولا يزال الإسلام المخرج الوحيد لأوروبا من مأزقها الحرج".

 وفي خاتمة حديثها وجّهت الكاتبة رسالة مهمة إلى أولئك الذين يبتعدون عن الإسلام ولا يتبعون منهجه مفادها أن يقرأوا القرآن وينعموا النظر في أحكامه، ويتدبروا معانيه، ويتأمّلوا تعاليم النبي الكريم -صلى الله عليه وسلّم- حتى ينالوا خيري الدنيا والآخرة.. كما خصصت رسالة للمرأة الغربية مفادها أن الإسلام حمى المرأة وعزز مكانتها، وحرّرها من قيد الرجل الذي استأسد عليها في الغرب وحوّلها إلى سلعة تباع وتشترى.

كما أشارت إلى أن الطريق إلى السلام العالمي لن يمر إلا عبر بوابة الدين الإسلامي الذي يعرّف بني البشر حقيقة الله تعالى، ويدعوهم إلى ضرورة حبه عبادته وحده سبحانه وتعالى.

------------------------------------------

المصادر:

الألفي، أسامة (2005)؛ لماذا أسلموا؟؛ القاهرة: أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي.

فارس، نايف منير (2010)؛ علماء ومشاهير أسلموا؛ الكويت: دار ابن حزم.

 


تعليقات (
0
)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.