عدد الزيارات: 36
0 تعليقات

مرجعيّة الرّسم


إعداد: الدكتور/ أحمد محمد زين المنّاوي
آخر تحديث: 19‏/02‏/2026 هـ 03-09-1447

أجيال وأجيال يبهرها القرآن ويكشف لها عن مزيد من عجائبه، ويخاطب كلّ جيل كأنّه الجيل الَّذي نزل الوحي في زمانه، بل إنّه يخاطب كلّ إنسان كأنّ الخطاب يخصّه هو وحده.. يخاطب النَّاس على اختلاف عصورهم ومستوياتهم وأعمارهم وعقولهم واهتماماتهم واختصاصاتهم.

تتعاقب الأجيال وتتغيّر المفاهيم والثقافات، وتتجدّد معها عجائب القرآن على طول الزَّمان وعرضه، جيلًا بعد جيل، وعلى مرّ العصور. وتفضي ألفاظه ومعانيه لكلّ عصر ولكلّ جيل بعمق جديد، فنزداد فهمًا لها كلَّما ازداد رصيدنا من المعرفة. ومن هنا نزداد فهمًا للحكمة من عدم تفسير النّبيّ ﷺ للقرآن، مع أنّه أعلم النَّاس به، وترك أمر تفسيره للزّمن، يتدبّره المسلمون عبر العصور، باعتباره خاتَمَ الكتب ولكلّ جيل ولكلّ زمان. ولو فسّر النّبيّ ﷺ القرآن لأغلق بذلك باب التدبّر والاجتهاد إلى يوم القيامة، حيث لا اجتهاد مع النَّص. ومن هنا نزداد فهمًا للحكمة من منع الصحابة -رضي اللَّه عنهم- عن سؤال النّبيّ ﷺ، حيث جاء في الصحيحين قول أنس بن مالك- رضي اللَّه عنه-: "نُهِينا أنْ نَسْأَلَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ عن شيءٍ".

ولمَّا كان هذا القرآن هو المعجزة الخالدة والمتجدّدة عبر الأزمنة والعصور، أراد اللَّه عزّ وجلّ بحكمته أن ينزّله ملفوظًا على نبيّ أمّيّ، حتى لا يظل هذا الكتاب جامدًا على رسمه الَّذي نزل به، بل يكون متفوّقًا ومتوافقًا مع أيّ تطور يطرأ على فنون اللّغة وطريقة رسم الكلمة العربيّة في كلّ زمان، فيملك بذلك وجوهًا متجدّدة ومتنوّعة من أوجه الإعجاز.

ولو نزل القرآن مكتوبًا كما نزل كلّ ما سبقه من الكتب، أو كتبه النّبيّ ﷺ بيده الشَّريفة، لكان ذلك الرّسم في الحالتين توقيفيًّا، وهذا في حد ذاته حكمة عظيمة وإعجاز. وقد اتّخذ النّبيّ ﷺ كُتَّابًا للوحي، ويُخطئ من يظن أن رسم الكلمة القرآنية كان بتوجيهه ﷺ، لأنّ ذلك يُعارض صريح القرآن في أكثر من موضع، ويعارض كذلك كثير من الأحاديث الصحيحة.

ولو كان النّبيّ ﷺ يكتب ويقرأ لارتاب المبطلون، ولكنّه ظل على الفِطْرة التي اختارها الله لأنبيائه، فهو لم يتعلَّم من أحد من البشر ولم يقرأ كتابًا من الكُتب، وهذا هو معنى الرَّسول النّبيّ الأميّ. وبذلك كانت الأميَّة في حقّه وحده مدحًا وشرفًا وعزًّا وتكريمًا، لأنّ مُعلِّمه هو الوحي من ربه عزّ وجلّ: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) النّجم. وهو بذلك سيّد العلماء، ومعلّم البشرية جمعاء.

إنّ بعض النَّاظرين في رسم القرآن صرفهم إجلالهم لهذا القرآن عن أن يفرّقوا بين ما هو وحي من عند اللَّه أنزله ملفوظًا على رسوله الأمّيّ ﷺ، وبين ما رسمه وخطَّه كُتَّاب الوحي حروفًا وكلمات بأيديهم وفق الرَّسم الإملائي الذي كان سائدًا في زمانهم، وهو بذلك ليس رسمًا توقيفيًا، وبكلّ تأكيد.

لقد جمع زيد بن ثابت- رضي اللَّه عنه- القرآن من الرّقاع وغيرها، ومن صدور الرّجال وحفظهم، عندما كلّفه أبوبكر الصّديق- رضي اللَّه عنه- بهذه المهمّة، وهو يقول له: "إنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لا نَتَّهِمُكَ، وقدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ". ولو تدبّرنا قصّة آخر آيتين من سورة التَّوبة، وآية الأحزاب التي لم يجدها زيد مكتوبة إلَّا مع خُزيمة بن ثابت الأنصاري- رضي اللَّه عنه-، وهو الصحابي الجليل الَّذي جعل النّبيّ ﷺ شهادته تعدل شهادة رجلين، لتأكّدت لنا حقيقة ذلك الرّسم.

وقد خَطَّ كُتَّاب الوحي القرآن بين يدي النّبيّ ﷺ بأفضل ما أوتي أهل ذلك الزَّمان من فنون الإملاء ورسم الكلمة العربيَّة، وقد كانت العبرة ولا تزال باللَّفظ وليس الرّسم، حيث لم يكن هناك فرق في الرّسم الَّذي كتبوا به القرآن والرّسم الَّذي كانوا يكتبون به غيره. ومن هنا لابد من التفّريق بين ما هو وحي من عند اللَّه، وما دوّنه كُتّاب الوحي من رسم الحروف والكلمات.

وفي العرضة الأخيرة بين يدي النّبيّ ﷺ تم عرض القرآن على ما في صدور الصحابة، لأنّ القرآن وحي ملفوظ وليس كتابًا مرسومًا، ولم يكن هناك مصحف إلَّا في عهد أبي بكر الصديق- رضي اللَّه عنه-.

وعندما أراد الخليفة الرَّاشد عثمان بن عفَّان- رضي اللَّه عنه- جمع المسلمين على مصحف موحَّد، منعًا للاختلاف، وهو المصحف الَّذي بين أيدينا اليوم، أوكل كتابة هذا المصحف إلى أربعة من الصحابة، بينهم زيد بن ثابت- رضي اللَّه عنهم-، عُرِفوا بمهارتهم في الكتابة، وقال لهم قولته المشهورة: "إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنّما نزل بلسانهم". ولو كان ذلك الرّسم توقيفيًّا، كما يرى البعض، ما تجرأ عثمان ولا أحد غيره من الصحابة- رضي اللَّه عنهم أجمعين- أن يقول ذلك. ولنا في واقعة اختلاف زيد مع القرشيين الثلاثة في رسم كلمة (التابوت) ورجوعهم إلى عثمان بن عفَّان- رضي اللَّه عنه- لحسم الأمر، الدَّليل الحاسم على مرجعيّة ذلك الرّسم وحقيقته. ومن هنا جاءت نسبة رسم المصحف إلى عثمان- رضي اللَّه عنه- لأنّه وقع بأمره وإشرافه، ثم أجمع المسلمون عليه فصاروا لا ينسخون مصحفًا إلَّا على رسمه العثماني منعًا للتحريف والتغيير.

وقد سألت شيخي في علم القراءات: هل الرّسم العثماني توقيفي؟ فقال لي: أنت أجبت بنفسك عن السُّؤال! قلت له: كيف؟! قال لي: قلت الرّسم العثماني، وعثمان- رضي اللَّه عنه- ليس نبي يوحى إليه.

ومما يؤكّد أنّ الرّسم العثماني رسم اصطلاحي، باجتهاد الصحابة، أي باجتهاد بشري، هناك ما يقرب من أربعين كلمة اختلف رسمها بين المصاحف التي أرسلها عثمان بن عفَّان- رضي اللَّه عنه- إلى الأمصار، ولكن لا قيمة لهذا الاختلاف طالما أنّه لم يؤدِّ إلى تغيير المعنى والمضمون، لأنّ العبرة بالملفوظ لا المخطوط، حتى أنّ بعض أئمة القراءات والقراء الَّذين يمر عبرهم إسناد هذا القرآن كانوا ضريرين لا يُبصرون، وبذلك فإنّ هذا الرّسم لا يعني لهم شيئًا.

العديد ممن كتبوا عن مرجعيّة الرّسم العثماني للقرآن قد خلطوا بين أمرين: الأوَّل هو بشريَّة رسم المصحف، وهذا حقّ، والأمر الثَّاني هو وجوب الالتزام بهذا الرَّسم في طباعة المصاحف، وهو حقّ أيضًا، فهما قضيتان منفصلتان تمامًا، ولا تعارض بينهما.

فالرَّسم العثماني اجتهاد بشري وفي الوقت ذاته يجب الالتزام بكتابة المصحف وطباعته بهذا الرَّسم الَّذي كُتب به أوَّل مرّة، ولا خلط بين القضيتين، لأنّ هذا الرَّسم هو ما أجمع عليه العلماء قديمًا وحديثًا، وكلّ من يقول خلاف ذلك فهو إمّا حاقد على هذا القرآن أو جاهل بخطورة الحياد عن الرّسم الأوّل الذي كُتب به.

إنّ الرسم العُثماني للمصحف يجب أن يبقى ما بقي القرآن العظيم، لأنّ ذلك الرَّسم وقع باجتهاد كُتّاب الوحي والصحابة- رضي اللَّه عنهم- وهم الَّذين كتبوا الكلمة على الصّفة التي سمعوها بها من النّبيّ ولم يخرجوا بكتابتهم عمّا سمعوا.

لذا فإنّ التزام الرّسم العُثماني في كتابة المصحف هو حجَّة خالدة، ودليل دامغ على عدم تسرُّب أيّ تغيير أو تحريف أو تبديل في النّص القرآني، كما أنّ الأمّة الإسلاميّة قد أجمعت منذ عصرها الأوَّل على هذا الرّسم، وهو بذلك يمثل أحد جذورها، لما له من أثر تاريخي يرجع إلى عصر النبوَّة والخلافة الرَّاشدة.

وقد كُتِبَ القرآن بلسان قريش، وبرسم مجرَّد من النِّقاط وعلامات الإعراب؛ رسم يعتمد على السليقة العربيّة القادرة على فهم وتمييز الكلمات بلا نقاط ودون علامات. وبعد عقود من الزَّمن، واتّساع رقعة الفتوحات الإسلامية، ودخول كثير من الشُّعوب غير العربيَّة في الإسلام، تفشَّت العُجْمة بين النَّاس وكثر اللَّحن، فتمَّ تشكيل حروف المصحف الشريف وتنقيطها لتسهيل قراءته وفهمه، لأنَّ اللَّفظ الصحيح، وليس الرّسم، هو الأساس الَّذي يُعتمد عليه في فهم معاني القرآن. وهذا من أوضح الأدلّة على أنَّ الرسم الأوَّل ليس رسمًا توقيفيًّا، وإنّما هو رسم اصطلاحي أو اجتهادي وكان هو الرّسم المعروف في زمن الصحابة.

وبعد قرون من انقضاء وحي القرآن، وفي بداية القرن الميلادي العشرين، بدأ التحوّل من الكتاتيب إلى المدارس النّظامية، وبدأت معه قواعد الإملاء الحديثة في الظهور والتطوّر بشكل تدريجي، وظلّ القرآن معجزًا في نظمه بحسب قواعد الإملاء الحديثة وبأفضل ما توصَّل إليه علماء اللّغة في رسم الكلمة العربيَّة، حتى أنّ حركات إعراب حروفه ونقاطها جاءت وفق نسيج رقمي معجز، رغم ابتكارها بعد عقود من انقضاء وحي القرآن العظيم، وهو ما يؤكد أنّ هذا القرآن الحكيم معجزة خالدة ومتجدّدة لكلّ جيل وعبر كلّ زمان.

وهكذا يتفاعل القرآن ويرتقي ويتألَّق مع كلّ مرحلة من مراحل تطوّر رسم الكلمة العربيَّة. وهذا التألُّق والارتقاء كان سيختفي تمامًا لو نزل القرآن مكتوبًا. ومن يدري ما يمكن أن تكون عليه طريقة رسم الكلمة العربيَّة في المستقبل!

كيف لا وهذا القرآن هو من عند عالم الغيب لا ريب، وقد سبق في علمه الأزلي كلّ تطوّر سيطرأ على قواعد الإملاء وطريقة رسم الكلمة العربيَّة حتّى قيام السَّاعة، وأنَّ حروف كتابه العزيز سيتم تشكيلها وتنقيطها على النّحو الَّذي هي عليه اليوم.

ومن أوضح الأدلَّة والبراهين على ذلك أنَّ موقع "طريق القرآن" وإصداراته التي تزيد على عشرة مجلَّدات، وموضوعاته المتنوّعة التي تزيد على ثلاثة آلاف مادّة، تستند في إحصاءاتها كلّها على قواعد الإملاء الحديثة وليس الرَّسم العثماني. والنَّسيج الرَّقمي القرآني، الذي تنطق أرقامه وأعداده كما تنطق حروفه وألفاظه، يستند كذلك على قواعد الإملاء الحديثة.

---------------------

المصادر:

الأبياري، إبراهيم (1991)؛ تاريخ القرآن؛ القاهرة: دار الكتاب المصري.

 

0 تعليقات 4 تحميل

تعليقات (0)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.

يرجى تسجيل الدخول لإرسال التعليق.