عدد الزيارات: 1.0K

ولذكر الله أكبر


إعداد: الدكتور/ أحمد مُحمَّد زين المنّاوي
آخر تحديث: 02/04/2016 هـ 02-02-1437

الكل ميِّت لا محالة وهذه الحقيقة الكبرى التي يغفل أو يتغافل عنها معظم الناس!

وهب أنك بعد موتك أُتيحت لك فرصة بأن تقدم للأحياء وصية واحدة فماذا تقول فيها؟

العجيب أن هذا الأمر قد حدث بالفعل، وهناك من أُتيحت له فرصة بعد موته أن يقدم للأحياء نصيحة، فمن هو يا ترى وما هي نصيحته لنا؟

إن أفضل البشر بعد مُحمَّد -صلى الله عليه وسلّم- هو إبراهيم الخليل -عليه السلام-، فهما بذلك أعظم شخصين في تاريخ البشرية. وبحسب ما جاء في كتب الحديث وبأكثر من طريق، فقد التقى مُحمَّد  صلى الله عليه وسلّم إبراهيم -عليه السلام-  في ليلة الإسراء والمعراج فقال: "يا مُحمَّد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلّا اللَّه، واللَّه أكبر".

تأمّل هذه الوصية جيِّدًا، وتأمّل حاملها وصاحبها والظرف الذي جاء بها والمكان الذي قيلت فيه! رجل في مقام إبراهيم -عليه السلام-  وهو أعلم الناس باللَّه بعد نبينا مُحمَّد -صلى الله عليه وسلّم- يرتحل إلى ربه، ومن هناك يرسل وصيته لك مع أمين اللَّه في أرضه وأحب الناس إليك بما هو أنفع شيء لمن لم يمت بعد! إنه ذكر اللَّه تعالى، وهو روح العبادات جميعها، والمقصود من كل الطاعات والقربات، وهو أفضل من جميع الأعمال الصالحات، حيث يمكنك أن تلحظ ذلك جليًّا واضحًا في وصية اللَّه تعالى لعبده ونبيه مُحمَّد صلى الله عليه وسلّم ولأمَّته من بعده:

وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيْفَةً وَدُوْنَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ولَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِيْنَ (205) الأعراف

وقوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيْرًا (41) وَسَبِّحُوْهُ بُكْرَةً وَأَصِيْلًا (42) الأحزاب

وقد مدح اللَّه عزّ وجلّ أولي الألباب فقال:

الَّذِيْنَ يَذْكُرُوْنَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُوْدًا وَعَلَىَ جُنُوْبِهِمْ (191) آل عمران

وذمَّ المنافقين فقال:

يُرَاؤُوْنَ النَّاسَ ولَا يَذْكُرُوْنَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيْلًا (142) النساء

وحذَّر من كيد الشيطان فقال:

وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُوْنَ (91) المائدة

والذكر مفتاح النصر والفلاح:

يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا إِذَا لَقِيْتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوْا اللَّهَ كَثِيْرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلَحُوْنَ (45) الأنفال

والذكر اطمئنان للقلوب:

الَّذِيْنَ آمَنُوْا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوْبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوْبُ (28) الرعد

والذكر غاية بيوت اللَّه:

فِي بُيُوْتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيْهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيْهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) النور

والذكر سبب للمغفرة والأجر العظيم:

وَالذَّاكِرِيْنَ اللَّهَ كَثِيْرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيْمًا (35) الأحزاب

بل إنك إذا تأمّلت عمود الإسلام وركنه الركين الصلاة تجدها من أوَّلها إلى آخرها لا تعدو كونها ذكرًا للَّه تعالى:

إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِِي (14) طه

وكذلك مناسك الحج كلّها من أوَّلها إلى آخرها إنما جُعلت لذكر اللَّه تعالى:

لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوْمَاتٍ .. (28) الحج

 

آية الأحزاب الجامعة

تأمّل هذه الآية التي تجمع 10 من أفضل الأعمال الصالحات:

إِنَّ الْمُسْلِمِيْنَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِيْنَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِيْنَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِيْنَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِيْنَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِيْنَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِيْنَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِيْنَ فُرُوْجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِيْنَ اللَّهَ كَثِيْرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيْمًا (35) الأحزاب

بدأت الآية بقوله تعالى: (الْمُسْلِمِيْنَ وَالْمُسْلِمَاتِ) واختتمت بقوله تعالى: (وَالذَّاكِرِيْنَ اللَّهَ كَثِيْرًا وَالذَّاكِرَاتِ)!

إذا تأمّلت هذه الأعمال العشرة التي تضمّنتها هذه الآية تجدها مرتّبة ترتيبًا عجيبًا!

أدنى هذه الأعمال منزلة (الْمُسْلِمِيْنَ وَالْمُسْلِمَاتِ) وأعلاها مرتبة وأعظمها ثوابًا (وَالذَّاكِرِيْنَ اللَّهَ كَثِيْرًا وَالذَّاكِرَاتِ)!

إنها من أفضل الأعمال عند الله وأزكاها، ولذلك أمر الله تعالى نبيه مُحمَّد صلى الله عليه وسلّم  بالذكر، فقال: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) الإنسان؛ وأمر عباده المؤمنين بالإكثار من ذكره فقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) الأحزاب.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدًا معلوما، ثم عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر فإن الله تعالى لم يجعل له حدا ينتهى إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على تركه فقال سبحانه وتعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ). بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والصحة والمرض، والسر والعلانية، وعلى كل حال.

 

حتى لا تكن أنت وحدك الغافل!

إذا جلست مجلسًا لأي أمر من أمور الدنيا فلا تستبعد أن تكون أنت وحدك الغافل!

ولا تستبعد أنهم جميعهم يذكرون اللَّه تعالى في ذلك المجلس إلّا أنت وحدك الغافل!

صحيح.. أنك قد لا تلحظ ذلك على وجوههم لأنهم يذكرون اللَّه في أنفسهم!

فقلوبهم متصلة باللَّه عزّ وجلّ على الدوام وفي جميع أحوالهم!

فلا يغرّك صمتهم المطبق، وانشغال ألسنتهم بأمر من أمور الدنيا!

وذكر اللَّه في النفس في المجالس بين الناس من أعلى مراتب الإخلاص!

والذكر ثلاث مراتب: ذكر بالقلب وحده وذكر باللسان وحده وذكر بالقلب واللسان معًا!

ألم تقرأ قوله سبحانه وتعالى:

وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ (205) الأعراف؟

تأمّل خاتمة الآية جيّدًا: وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ!

ألم يبلغك ما رواه النبي -صلى الله عليه وسلّم- عن ربه عزّ وجلّ: "من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي"؟

وأي أمر أعظم من أن يذكرك العظيم سبحانه وتعالى في نفسه!

فاحرص يا رعاك اللَّه ألّا يغفل قلبك لحظة عن ذكر اللَّه عزّ وجلّ!

واعلم أنه يعلم ما توسوس به نفسك، بل ويعلم سبحانه وتعالى ما هو أخفى من ذلك!

وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) طه

وأفضل الذكر هو: (لا إله إلَّا اللَّه) وأحرفه (ا ل هـ) هي نفسها أحرف اسم "اللَّه"!

تأمّل.. شهادة التوحيد أربع كلمات (لا إله إلا الله) وأحرفها (ا ل هـ)، واسم الله كلمة واحدة وأحرفه (ا ل هـ)!  

إنها من أسهل الحروف، ويستطيعها اللسان حتى ولو كان الإنسان في سكرات الموت وتنتزع روحه من جسده.

وهذه الأحرف الثلاثة تخرج جميعها من خالص الجوف لا من الشفتين!

ولذلك إذا ما ذكرت (لا إله إلَّا اللَّه) بصوت منخفض في مجلس لن يلحظ ذلك أحد!

لأنك لن تحرّك شفتيك بذكره! ويمكنك أن تجرّب ذلك الآن!

فسبحان الذي جعل أفضل الذكر عنده لا تتحرّك به الشفاه!

وهذه فائدة للذين يتحرّون أعلى مراتب الإخلاص في عملهم.

يقول بعض السلف إذا انكشف للناس الغطاء يوم القيامة عن ثواب أعمالهم فلن يروا ثوابًا أفضل وأعظم من ذكر اللَّه تعالى، فيتحسَّر عند ذلك أقوام فيقولون: ما كان شيء أيسر علينا من الذكر! إنه ليوم الحسرة! فاحرص يا رعاك اللَّه على أن تشغل قلبك بذكر اللَّه على الدوام حتى إذا تحسّر الناس كنت أنت أقلّهم حسرة.

ويقول في ذلك ابن القيّم- رحمه اللَّه- "لو رُزق العبد الدنيا بما فيها، ثم قال الحمد للَّه لكان إلهام اللَّه له بالحمد أعظم نعمة من إعطائه الدنيا، لأن نعيم الدنيا يفنى وثواب الحمد يبقى". فسبحان الذي جعل أيسر العبادات أعظمها ثوابًا.. فأكثر يا رعاك اللَّه من الذكر فإنه أقرب الطرق إلى رضوان اللَّه.

---------------------------------------------------------

المصدر:

مصحف المدينة المنَّورة برواية حفص عن عاصم (وكلماته بحسب قواعد الإملاء الحديثة).

 


تعليقات (
0
)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.