عدد الزيارات: 761

من عجائب العنكبوت وبيتها


إعداد: الدكتور/ أحمد مُحمَّد زين المنّاوي
آخر تحديث: 06/05/2016 هـ 22-04-1437

يقول تعالى في محكم تنزيله:

مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)  العنكبوت.

هل يمكن لأحدكم أن يتخيل طائرة جامبو عملاقة معلّقة على ضفيرة من خيوط العنكبوت لا يتجاوز سُمكها إبهام الأصبع؟! بالطبع السؤال في غاية الغرابة! لكن الأغرب منه أن إجابته نعم!!

قبل الخوض في تفاصيل هذه المغالطة العجيبة نحتاج إلى الحديث عن العنكبوت نفسها ومن ثم نتحدث عن الحقائق العلمية التي تزخر بها هذه الآية الكريمة موضوع هذا المقال.

العنكبوت هي أنثى حيوان صغير ينتمي إلى فصيلة العناكب، يُطلق على الذكر منها اسم العنكَّب. في الآية الكريمة السابقة شبّه الله تعالى حال المشركين الذين يتخذون آلهة من دون الله لينصروهم ويرزقوهم بحال بيت العنكبوت في ضعفه ووهنه.

وتهدف هذه الآية إلى تسليط الضوء على هشاشة موقف المشركين بالله، بيد أن لها هدفًا آخر يتمثل في التأمّل في القوة الخفية لهذا الكائن الواهن الضعيف، فالعنكبوت تبني بيتها بخيوط شديدة الحساسية للاهتزاز، تشبَّع هذه الخيوط بمادة صمغية تمثل فخًّا عنيدًا تلتصق به أي حشرة يقودها حظها العاثر إلى الاقتراب من براثنه.

بيت العنكبوت

تأمّل معنا للحظات ما تحويه هذه الآية من دقّة علمية التعبير، حيث يقول الله تعالى: (كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا)، والعنكبوت المذكورة في الآية "أنثى"! وهذه إشارة علمية في غاية الدقة للدلالة على أن التي تقوم ببناء البيت الأنثى وليس الذكر، وأن الذكر أي العنكب لا شأن له بذلك. وفي كلمة (اتَّخَذَتْ) ردّ شافٍ على من يقولون إن لفظة "عنكبوت" تطلق على الذكر والأنثى على حد سواء. وهذه الحقيقة العلمية ما كان أحد مطلقًا يفطن إليها وقت نزول القرآن، ولكن لما انشغل علماء الأحياء حديثًا بدراسة الحشرات، وتطورت الأجهزة والوسائل التي تعينهم على ذلك، تبيّنت لهم هذه الحقائق العلمية المذهلة التي سبقهم القرآن في الإشارة إليها قبل قرون خلت وفي زمن لم تكن فيه أبسط الحقائق العلمية عن العناكب متاحة لأحد من البشر، ولذلك خُتمت الآية بقوله تعالى: لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.

سبحان الله! ثبت علميًّا أن العنكب (ذكر العنكبوت) لا يستطيع أن يبني بيتًا، وإنما الأنثى هي التي تضطلع بهذه المهمة الشاقّة، حيث تقوم بنسج البيت من خيوط حريرية، تعتمد في ذلك على ثلاثة مغازل أسفل بطنها، متصلة بغدد صغيرة تفرز المادة التي تتشكّل منها هذه الخيوط، وهذه كلها مقومات لا يمتلكها الذكر! وخيط العنكبوت هو لعابها، يخرج من فمها ويتجمَّد في الهواء.

وعادة لا تبدأ الأنثى بناء البيت إلا حينما تصل إلى مرحلة البلوغ والاستعداد للزواج، حيث تقوم ببناء بيتها كعامل جذب تستقطب به الذكر، وبعد أن تتم مرحلة التزاوج، تقوم الأنثى بقتل الذكر وأكله بعد الانتهاء من عملية التلقيح، وتحدث عملية الاغتيال هذه بين معظم فصائل العناكب، خاصة العنكبوت التي تُعرف باسم الأرملة السوداء. في المقابل، تترك بعض أنواع العناكب الذكر ليعيش بعد عملية التلقيح، لكن لفترة ليست بالطويلة؛ إذ تدَّخره لأبنائها الذين يقومون بقتله وأكله عقب خروجهم من البيض! من ناحية أخرى، هناك أنواع من العناكب تقوم أنثاها بتغذية صغارها حتى إذا ما اشتد عودها تقوم بقتلها وأكلها.

سبحان الله! هذا السلوك المتوحّش الذي يشير إلى ضعف الرابطة الأسرية بين العناكب قد  يبرر (والله أعلم بمراده) مجيء اسم العنكبوت في الآية بالصيغة المفردة، وكذلك الحال مع تسمية السورة ذاتها، الشيء الذي فيه إشارة واضحة إلى الحياة الفردية التي تتسم بها حياة العناكب فيما عدا لحظات التزاوج، وأوقات فقس البيض.

ووصف الله عزّ وجلّ لبيت العنكبوت بالوهن والضعف يشير إلى حقيقة أن بيت العنكبوت من الناحية المادية البحتة يعتبر أضعف بيت على الإطلاق؛ لأن مكوناته لا تعدو كونها خيوطًا حريرية متشابكة غاية في الدقة الهدف منها اصطياد الحشرات لا أكثر ولا أقل؛ لذلك فهي لا تقي حرًّا ولا بردًا! ومن وجوه الوهن المتعددة في بيوت العنكبوت أيضًا، أن هذا البيت الذي يفترض أن تحتمي فيه العنكبوت من أعدائها، لا يستمر طويلًا حتى تلتهمه العنكبوت نفسها، حيث تأكل بعض فصائل العنكبوت بيتها من حين لآخر قبل أن تبدأ في بناء نسيج آخر بديل له. وحتى إن لم تلتهمه العنكبوت نفسها، فإن خيط العنكبوت لا يدوم أكثر من يوم وليلة، ولا يصلح بعدها لصيد الفرائس لأنه يجف وتفقد مادته اللاصقة خصائصها، ويتمزق خِرقًا بالية، وبذلك فهو من الناحية المادية في منتهى الضعف والوهن برغم صلابة خيوطه.

وخيط العنكبوت الذي نراه بأعيننا المجرّدة ليس إلا مجموعة من الخيوط التي التف بعضها ببعض، أما خيط العنكبوت المفرد فهو رفيع لدرجة مُذهلة، حيث يبلغ سمكه في المتوسط واحدًا من المليون من البوصة المربعة‏! ولتقريب الصورة نجد أن سمك شعرة رأس الإنسان تزيد على سمك خيط العنكبوت الواحد بنحو 400 مرّة!

سبحان الله! برغم رقّته المتناهية، يُعد خيط العنكبوت من أصلب الألياف الطبيعية على الإطلاق، كما يعد أقوى مادة بيولوجية عرفها الإنسان حتى الآن، حيث تبلغ قوة احتماله 300 ألف رطل للبوصة المربعة، حيث يتمدد خيط العنكبوت إلى خمسة أضعاف طوله قبل أن ينقطع، ولذلك كله فإن قوّة تحمّل خيط العنكبوت للضغط تفوق قوة تحمّل الفولاذ، ولهذا السبب يُطلق على خيط العنكبوت الفولاذ البيولوجي أو الحيوي. وأكثر من هذا فإن خيط العنكبوت أقوى من مثيله طولًا وسماكة من الفولاذ المعدني العادي بعشرين مرّة!

وقد تم إنتاج مادة تشبه في تركيبها خيط العنكبوت تسمى بالكافلر، وتستعمل في صنع  الدروع والقمصان  الواقية من الرصاص. بل إذا قُدّر لك أن تصنع حبلًا من خيوط العنكبوت في سماكة إبهامك، فيمكنك أن تحمل به طائرة "جامبو" بكل سهولة ويُسر دون أن ينقطع!

وعلى الرغم من قوته الخرافية هذه يؤكد القرآن حقيقة أن بيت العنكبوت يعدّ من أوهن البيوت! فكيف يكون ذلك؟!

مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)  العنكبوت.

لو تدبّرت الآية في السياق الذي وردت فيه، فسوف تلاحظ أن الوهن المقصود في الآية  الكريمة وهن معنوي واجتماعي لبيت العنكبوت، وهو البيت المحروم من معاني المودّة والرحمة التي تقوم على أساسها البيوت، فبيت العنكبوت هو أوهن البيوت على الإطلاق، إذ إن أنثى بعض العناكب تقضي على الذكر، وتلتهمه بمجرّد إتمام عملية الإخصاب، لأنها أكبر حجمًا وأكثر شراسة منه، بينما تعمد أنواع أخرى منها إلى التهام صغارها دون أدنى رحمة، وفي حالات أخرى تموت العنكبوت بعد إتمام إخصاب بيضها الذي عادة ما تحتضنه في كيس من الحرير‏، وعندما تخرج الصغار إلى الوجود تجد نفسها في مكان شديد الازدحام بالأفراد داخل كيس البيض‏،‏ فيبدأ الأشقاء في الاقتتال من أجل الطعام والمكان في معركة حامية الوطيس تنتهي بهلاك الضعفاء، بينما ينتشر المنتصرون الأقوياء في البيئة المحيطة؛ حيث تبدأ الإناث في بناء بيوتها بينما يتهيأ الذكور للإخصاب، لتبدأ دورة  جديدة من الشراسة والوحشية التي تخلو من أواصر التراحم والمودة والقربى!

عناكب

فهذه صورة موجزة لبيت العنكبوت من الداخل، فهل رأيت أوهن منه في الوجود؟!

وهل علمت لماذا ضرب اللَّه عزّ وجلّ المثل ببيت العنكبوت دون سواه من البيوت؟!

وهل علمت لماذا نسب اللَّه عزّ وجلّ البيت إلى أنثى العنكبوت ولم ينسبه إلى الذكر؟!

لأن ذكر العنكبوت (عنكب) لا يستطيع أن يبني بيتًا، والتي تقوم ببناء البيت هي الأنثى!

وأن بيت العنكبوت في حقيقته فخ وشَرَك منصوب لأي حشرة تقترب منه، أو تمرُّ عليه!

كما أن بيت العنكبوت أوهن البيوت اجتماعيًّا ومعنويًّا، فهو في الوقت نفسه أوهن البيوت على الإطلاق من حيث بنائه ودقة خيوطه التي لا تقي حرًّا ولا بردًا!

اختتم الله عزّ وجلّ الآية الكريمة بقوله: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)! لأن المشركين ما كانوا يعلمون هذه الحقائق عن العنكبوت، لأنهم لو علموها لعرفوا لماذا ضرب اللَّه عزّ وجلّ المثل ببيت العنكبوت دون سواه من البيوت؟! ولعرفوا لماذا نسب اللَّه عزّ وجلّ البيت إلى أنثى العنكبوت ولم ينسبه إلى الذكر؟! ولأدركوا لماذا كان بيت العنكبوت أوهن البيوت اجتماعيًّا ومعنويًّا!

سبحان الله! لم يتوصّل العلم الحديث إلى هذه الحقائق العلمية المدهشة إلا منذ وقت قريب، بينما ذُكرت في القرآن العظيم منذ ما يزيد على 1400 عام، الشيء الذي يؤكد حقيقة أن هذا القرآن هو كلام الله عزّ وجلّ الذي أنزله على خاتم رسله وأنبيائه سيدنا مُحمَّد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

 

والآن من البيت إلى السورة..

السور التي تبدأ بالحروف المقطّعة عددها 29 سورة، والسورة التي ترتيبها رقم 29 هي سورة العنكبوت.

سورة العنكبوت تبدأ بالحروف المقطّعة، وتتوسط السور التي تبدأ بالحروف المقطّعة تمامًا.

السور التي تأتي قبل العنكبوت من بداية المصحف عددها 28 سورة، وهذا العدد = 14 + 14

السور التي تأتي قبل العنكبوت من بداية المصحف مجموع ترتيبها 406، وهذا العدد = 14 × 29

السور التي تأتي بعد العنكبوت حتى نهاية النصف الأوّل من المصحف عددها 28 سورة!

وهذا العدد = 14 + 14

السور التي تأتي بعد العنكبوت حتى نهاية النصف الأوّل من المصحف مجموع ترتيبها 1218

وهذا العدد = 14 × 29 × 3

والأعجب من ذلك أن اسم اللَّه ورد في سورة العنكبوت 42 مرّة، وهذا العدد = 14 + 14 + 14

السور التي تبدأ بالحروف المقطّعة، وتأتي قبل سورة العنكبوت من بداية المصحف عددها 14 سورة!

السور التي تبدأ بالحروف المقطّعة، وتأتي بعد سورة العنكبوت حتى نهاية المصحف عددها 14 سورة!

السور فردية الترتيب التي تأتي قبل العنكبوت من بداية المصحف عددها 14 سورة!

السور فردية الترتيب التي تأتي قبل العنكبوت من بداية المصحف مجموع ترتيبها 196

وهذا العدد = 14 × 14

السور زوجية الترتيب التي تأتي قبل العنكبوت من بداية المصحف عددها 14 سورة

السور زوجية الترتيب التي تأتي قبل العنكبوت من بداية المصحف مجموع ترتيبها 210

وهذا العدد = 14 × 14 + 14

السور فردية الترتيب التي تأتي بعد العنكبوت، حتى نهاية النصف الأوّل من المصحف عددها 14 سورة!

السور فردية الترتيب التي تأتي بعد العنكبوت، حتى نهاية النصف الأوّل مجموع ترتيبها 616

وهذا العدد = 14 × 44

السور زوجية الترتيب التي تأتي بعد العنكبوت، حتى نهاية النصف الأوّل من المصحف عددها 14 سورة!

السور زوجية الترتيب التي تأتي بعد العنكبوت، حتى نهاية النصف الأوّل مجموع ترتيبها 602

وهذا العدد = 14 × 43

مع الانتباه إلى أن 43 عدد أوّليّ وترتيبه في قائمة الأعداد الأوّليّة رقم 14

ورد اسم اللَّه في سورة العنكبوت 42 مرّة، وهذا العدد = 14 + 14 + 14

 

عدد آيات سورة العنكبوت 69 آية!

وهذا العدد يساوي 14 + 41 + 14

لا تفكّر كثيرًا.. فالعدد 41 هو رقم آية العنكبوت في سورة العنكبوت!

مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) العنكبوت

 

فتأمّل هذا المخطط العجيب الذي يتضح من خلال موقع سورة العنكبوت بين سور النصف الأوّل من المصحف والسور التي تبدأ بالحروف المقطّعة:

الإعجاز العددي

 

لن أعلّق على هذه اللّوحة العنكبوتية العجيبة، ولن أقول شيئًا!

بل سأترك لك المجال لتتأمّلها جيِّدًا، وتعلّق عليها أنت بنفسك!

---------------------------------------------------------------

المصادر:

أوّلًا: القرآن الكريم:

 

ثانيًا: المصادر الأخرى:

  • الشريف، عدنان (2000)؛ من علوم الأرض القرآنية.. الثوابت العلمية في القرآن الكريم؛ بيروت: دار العلم للملايين.
  • العنكبوت؛ أُسترجع في تاريخ 23 يناير 2016، من موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة (http://www.eajaz.org).
  • المنّاوي، أحمد مُحمَّد زين (2015)؛ قطوف الإيمان من عجائب إحصاء القرآن؛ طريق القرآن للنشر.
  • ديفيز، ايلا (7 ديسمبر، 2015)؛ تقرير بعنوان: بيت العنكبوت الأكبر في العالم قادر على تغطية نهر بأكمله؛ أُسترجع في تاريخ 23 يناير 2016، من موقع موقع BBC Arabic (http://www.bbc.com/arabic)
  • طيارة، نادية (2009)؛ موسوعة الإعجاز القرآني في العلوم والطب والفلك؛ أبوظبي: مكتبة الصفا.
  • عاشور، قاسم حمودة (2005)؛ لطائف قرآنية في 1000 سؤال وجواب؛ الرياض: دار طويق للنشر والتوزيع.
  • مُحمَّد سامي مُحمَّد علي (1993)؛ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم؛ دمشق: دار المحبّة.

 

  • Goldman, Jason G (22 January 2016); Meet the spiders that have formed armies 50000 strong; http://www.bbc.com/earth; Retrieved 23 January 2016.

 


تعليقات (
0
)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.