عدد الزيارات: 2.5K

مرافعة ذات الخمار


إعداد: الدكتور/ أحمد محمد زين المنّاوي
آخر تحديث: 20/10/2016 هـ 15-12-1437

وفقًا لدراسات علمية حول محتوى الشبكة العنكبوتية، تبيّن أن عدد المواقع الإباحية عدد مهول بصورة مفرطة وكارثية، فهذه المواقع مع كثرتها تحرص على تقديم مواد إباحية جديدة للمستخدمين على رأس كل ثانية، ونتيجة لذلك نجدها تطلق آلاف الصفحات الجديدة يوميًّا. ووفق إحصاءات نشرتها شركة Optenet لتصنيف مواقع الإنترنت، فإن 37% من حجم شبكة الإنترنت يتكوّن من مواد إباحية! وتقول دراسة في مجلة "إكستريم تك" للتكنولوجيا إن المواقع الإباحية تنتج نحو 30% من حجم حركة المستخدمين الإجمالية على الإنترنت.

هذه النسب المخيفة تعكس لنا بصورة جليّة إلى أي مدى انحطت البشرية أخلاقيًّا حتى فاقت مملكة الحيوان في الانحطاط! والأدهى والأمرّ أن رسائل هذه المواقع تستهدف المسلمين، لأن من يديرون شبكات الدعارة الإلكترونية لا يريدون أن تكون للمسلمين فضيلة أخلاقية على بني جلدتهم، ولا يريدون لهم التميز عنهم بالطهر والعفاف، بل يريدون إشاعة الشهوات المحرّمة.

إن وسائل الاتصال الجماهيري العالمية -خاصة الغربية- تلعب أدورًا خطيرة جدًّا في تعزيزها لصورة ذهنية مشوّهة كوّنتها عن الإسلام وفي إشاعتها للفاحشة وتزيينها للمنكرات وسط أبناء الأمة المسلمة، حتى يصبحوا مسلوبي الإرادة بعيدين عن دينهم.. ففي الأفلام التلفزيونية التي تدخل كل بيت ويشاهدها جميع أفراد الأسرة في جلسات مشاهدة مفتوحة تصاغ الحبكة القصصية بصورة تجعل المشاهد يتعاطف مع العشيق ضد الزوج.. أما ما يشاهد في الخفاء عبر الشبكة العنكبوتية فهو أمر مدمّر رهيب يجل على الوصف.

والنتائج التي يصدرها سنويًّا محرك بحث جوجل الأكثر شهرة بين محركات البحث الموجودة على شبكات الإنترنت، تشير إلى أن الكلمات المفتاحية الإباحية تتصدر قائمة الكلمات الأكثر بحثًا على جوجل في بعض الدول العربية! وبالتالي لا غرابة في أن ينظم أعداء الإسلام الحملات الإعلامية للطعن في الحجاب، واتهام أهله بالتخلّف والرجعية، بل وربطه بالتطرّف! وهم يريدون من وراء معركة الحجاب عزل الإسلام والمسلمين عن دينهم، لأن الحجاب عفّة وطهر وهويّة ودعوة صامتة إلى الإسلام.

من خلال هذه القصّة الواقعية سوف نرى كيف يمكن لهذا الحجاب أن يكون دعوة صامتة إلى دين الإسلام.. وكيف استطاع خمار وضعته طالبة مسلمة على رأسها في إحدى الجامعات الأمريكية أن يكون سببًا في إسلام سبعة من الأساتذة والطلاب!

يروي لنا هذه القصة الأستاذ الجامعي الأمريكي أكويا الذي تسمّى بعد إسلامه باسم (مُحمَّد): قبل أربع سنوات، ثارت عندنا بالجامعة زوبعة كبيرة، حيث التحقت بالدراسة طالبة أمريكية مسلمة، وكانت محجبة، وقد كان من بين مدرسيها رجل متعصب يبغض الإسلام ويتصدى لكل من لا يهاجمه، فكيف بمن يعتنقه ويظهر شعائره للعيان؟! وكان هذا الرجل يحاول استثارتها كلما وجد فرصة سانحة للنيل من الإسلام. وشنّ عليها حربًا شعواء، ولكنها قابلت هي الموضوع بهدوء وهو ما زاد من غيظه منها، فبدأ يحاربها عبر طريق آخر، حيث الترصد لها بالدرجات، وإلقاء المهام الصعبة في الأبحاث، والتشديد عليها بالنتائج، ولما عجزت المسكينة أن تجد لها مخرجًا تقدّمت بشكوى إلى مدير الجامعة مطالبة فيها النظر إلى موضوعها.

وكان قرار الإدارة أن يتم عقد اجتماع بين الطرفين المذكورين الدكتور والطالبة لسماع وجهتي نظرهما والبتّ في الشكوى. ولما جاء الموعد المحدد حضر أغلب أعضاء هيئة التدريس، وكنا متحمسين جدًّا لحضور هذه الجولة التي تعتبر الأولى من نوعها عندنا في الجامعة.

بدأت الجلسة التي ذكرت فيها الطالبة أن المدرس يبغض ديانتها، ولأجل هذا يهضم حقوقها العلمية، وذكرت أمثلة عديدة لهذا، وطلبت الاستماع لرأي بعض الطلبة الذين يدرسون معها، وكان من بينهم من تعاطف معها وشهد لها، ولم يمنعهم اختلاف الديانة أن يدلوا بشهادة طيبة بحقها. حاول الدكتور على إثر هذا أن يدافع عن نفسه، واستمر بالحديث فخاض بسبّ دينها. فقامت الطالبة تدافع عن الإسلام. لقد أدلت بمعلومات كثيرة عنه، وكان لحديثها قدرة على جذبنا، حتى أننا كنا نقاطعها فنسألها عمّا يعترضنا من استفسارات فتجيب. فلما رآنا الدكتور المعني مشغولين بالاستماع لها والنقاش معها خرج من القاعة غاضبًا، فقد تضايق من اهتمامنا وتفاعلنا فذهب هو ومن لا يرون أهمية للموضوع.

يقول الدكتور محمد أكويا: بقينا نحن مجموعة من المهتمين نتجاذب أطراف الحديث، وفي نهايته قامت الطالبة بتوزيع ورقتين علينا كتب فيهما تحت عنوان "ماذا يعني لي الإسلام؟" الدوافع التي دعتها إلى اعتناق هذا الدين العظيم، ثم بيّنت ما للحجاب من أهمية وأثر. وشرحت مشاعرها الفيّاضة صوب هذا الجلباب وغطاء الرأس الذي ترتديه، والذي تسبب بكل هذه الزوبعة.

لقد كان موقفها عظيمًا، ولأن الجلسة لم تنته بقرار لأي طرف، فقد قالت إنها تدافع عن حقها، وتناضل من أجله، ووعدت إن لم تظفر بنتيجة لمصلحتها أن تبذل المزيد حتى لو اضطرت لمتابعة القضية وتأخير الدراسة نوعًا ما، لقد كان موقفًا قويًّا، ولم نكن أعضاء هيئة التدريس نتوقع أن تكون الطالبة بهذا المستوى من الثبات من أجل المحافظة على مبدئها.

يختتم الدكتور محمد أكويا حديثه بالقول: كم أذهلنا صمودها أمام هذا العدد من المدرسين والطلبة، وبقيت هذه القضية يدور حولها النقاش داخل أروقة الجامعة. أما أنا فقد بدأ الصراع يدور في نفسي من أجل تغيير الديانة، فما عرفته عن الإسلام حبّبني فيه كثيرًا، ورغّبني في اعتناقه، وبعد عدة أشهر أعلنت إسلامي، وتبعني دكتور ثانٍ وثالث في العام نفسه، كما أن هناك أربعة طلاب أسلموا. وهكذا في غضون فترة بسيطة أصبحنا مجموعة لنا جهود دعوية في التعريف بالإسلام والدعوة إليه، وهناك الآن عدد من الأشخاص في طور التفكير الجاد، وعمّا قريب إن شاء الله ينشر خبر إسلامهم داخل أروقة الجامعة.. والحمدلله وحده.

من هذه القصة الواقعية يتعلم المسلم كيف يتصرف إن وجد نفسه يقف وحيدًا في وجه فريق من أعداء الإسلام الذين يفوقونه في العلم والخبرة وجمهور المتعاطفين.. إن كان هذا المسلم شديد الاقتناع بدينه ملمًّا بأصوله وملتزمًا بسلوكه القيمي، فإنه لن يكتفي فقط بالنجاح في الدفاع عن الإسلام وإنما سيجد نفسه وقد أدخل في حظيرة هذا الدين أناسًا كانوا يبغضونه لا لشيء بل لأنهم كانوا ضحية لتضليل ممنهج من قبل وسائل التنشئة الاجتماعية التي لم تدع لهم الفرصة حتى يعملوا عقولهم.. ولهذا السبب استطاعت هذه الطالبة الجامعية المسلمة أن تدخل عددًا من الأساتذة والطلاب في دين الله بينما كانت تدافع عن نفسها ودينها لا لشيء إلا أنهم عرفوا عن هذا الدين العظيم ما لم يكونوا يعرفونه بسبب تضليلهم من قبل أعداء الإسلام الذين كانوا يحرصون كل الحرص على أن يعرف أهل الغرب عن الإسلام ما كانوا يريدون لهم أن يعرفوه.. فكيف يكون الحال لو تحول كل مسلم ومسلمة إلى داعية لدين الله من خلال سلوكه ومظهره؟!

--------------------------------------------

المصادار:

فارس، نايف منير (2010)؛ علماء ومشاهير أسلموا؛ الكويت: دار ابن حزم.

الألفي، أسامة (2005)؛ لماذا أسلموا؟؛ القاهرة: أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي.

مارك وارد (يوليو 2013)؛ ما مدى انتشار المواقع الإباحية على شبكة الإنترنت؟؛ أُسترجع بتاريخ 9 سبتمبر 2016 من موقع بي بي سي العربية (http://www.bbc.com/arabic).

 

 


تعليقات (
0
)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.