عدد الزيارات: 3.6K

لم يُجب أحد


إعداد: الدكتور/ أحمد محمد زين المنّاوي
آخر تحديث: 20/10/2016 هـ 24-11-1437

كان كتلة من النشاط في مجال التنصير.. أُعجبت به الفاتيكان فأغدقت عليه المال الذي رفعه لزمرة الأثرياء،  كما خصّصت له من الأموال ما يحتاج إليه لتنصير أصحاب الحاجة الملحّة والعوز من المسلمين ضعيفي الإيمان. سؤال صغير من تاجر مسلم بسيط قلب حياته رأسًا على عقب، وهو الفارس الذي لا يشقّ له غبار في ساحات التنصير والدعوة إلى دين النصرانية!! بل ألجم لسانه فصام عن الكلام وعجز عن تقديم خطبته ودرسه في الكنيسة، وهو الخطيب اللبيب المفوّه!!

انفرد بنفسه يبكي بمرارة ويدعو من اعتقد أنه الله أن يلهمه الصواب.. نام وقد ضعضعت فؤاده وعقله موجة من الهواجس المزعجة والتساؤلات الملحّة.. رأى في المنام رجلًا لم يتبيّن ملامح وجهه لأن فيوضًا من الضياء كانت تشعّ منه.. وبينما هو يغوص وسط بحر متلاطم من الدهشة والذهول دعاه الرجل باسم "إبراهيم" بدلًا من اسمه الحقيقي! ثم سلّمه مفتاحًا بصريًّا لكي يفتح به مغاليق قلبه حتى يدرك بنور بصيرته الحقيقة التي ظلّ يبحث عنها وسط طوفان من الدموع.. من هو ذلك الرجل الوضيء؟ وما هو مفتاحه العجيب؟ وكيف استخدمه بطل هذه القصة ليفتح به مغاليق الباب الذي خرج عبره من ظلمات الكفر المدلهمة إلى نور الإيمان الشفيف؟

الإجابة عن كل هذه الأسئلة سوف نتعرّف إليها من خلال هذه القصة الحقيقية التي دارت أحداثها المدهشة في جنوب أفريقيا لأحد أقارب المناضل المعروف نيلسون مانديلا، وهو القسّ السابق سيلي، الداعية الإسلامي الحالي إبراهيم، كما سمّاه ذلك الرجل الوضيء في المنام.

نصطحبكم الآن في رحلة استثنائية إلى ذلك البلد الذي يقع في أقصى الطرف الجنوبي من القارة السمراء حيث نجد في انتظارنا القسّ السابق سيلي، الذي كان يهتمّ بالنصرانية كثيرًا ويروِّج لها بشتّى السبل، وكان نشطًا للغاية في خدمة الكنيسة، ولذلك اختارته الفاتيكان وقدَّمت له الدعم اللازم ليكون من كبار المنصِّرين في جنوب أفريقيا، وكانت الكنيسة تغدق عليه الأموال حتى أصبح غنيًّا وله مكانته المرموقة بين القساوسة.

يروي سيلي قصته فيقول: كنت قسيسًا نشطًا للغاية، أخدم الكنيسة بكل جدّ واجتهاد ولا أكتفي بذلك بل كنت من كبار المنصّرين في جنوب أفريقيا، ولنشاطي الكبير اختارتني الفاتيكان لكي أقوم بالتنصير بدعم منها فأخذت الأموال تصلني من الفاتيكان لهذا الغرض، وكنت أستخدم كل الوسائل لكي أصل إلى هدفي. فكنت أقوم بزيارات متوالية ومتعددة للمعاهد والمدارس والمستشفيات والقرى والغابات، وكنت أدفع من تلك الأموال للناس في صور مساعدات أو هبات أو صدقات وهدايا، لكي أصل إلى مبتغاي وأدخل الناس في دين النصرانية.. فكانت الكنيسة تغدق عليّ فأصبحت غنيًّا فلي منزل وسيارة وراتب جيد، ومكانة مرموقة بين القساوسة. وفي يوم من الأيام ذهبت لأشتري بعض الهدايا من المركز التجاري ببلدتي وهناك كانت المفاجأة!!

 ففي السوق قابلت تاجرًا يبيع الهدايا، وكنت ألبس ملابس القسيسين الطويلة ذات الياقة البيضاء التي نتميّز بها عن غيرنا، وبدأت في التفاوض مع التاجر على قيمة الهدايا، وعرفت أنه مسلم -ونحن نطلق على دين الإسلام في جنوب أفريقيا: دين الهنود، ولا نقول دين الإسلام- وبعد أن اشتريت ما أريد من هدايا، بل قل من فخاخ نوقع بها السذج من الناس، وكذلك أصحاب الخواء الديني والروحي كما كنا نستغل حالات الفقر عند كثير من المسلمين، والجنوب أفريقيين لنخدعهم بالدّين المسيحي وننصّرهم، فإذا بالتاجر المسلم يسألني:

أنت قسيس.. أليس كذلك؟

 فقلت له: نعم.

 فسألني من هو إلهك؟

 فقلت له: المسيح هو الإله!

 فقال لي: إنني أتحداك أن تأتيني بآية واحدة في الإنجيل تقول على لسان المسيح -عليه السلام- شخصيًّا إنه قال: (أنا الله، أو أنا ابن الله) فاعبدوني!

فإذا بكلمات الرجل المسلم تسقط على رأسي كالصاعقة، ولم أستطع أن أجيبه وحاولت أن أعود بذاكرتي الجيدة وأغوص بها في كتب الأناجيل وكتب النصرانية لأجد جوابًا شافيًا للرجل فلم أجد!! فلم تكن هناك آية واحدة تتحدّث على لسان المسيح وتقول إنه هو الله أو إنه ابن الله. وأسقط في يدي وأحرجني الرجل، وأصابني الغمّ وضاق صدري. كيف غابت عني مثل هذه التساؤلات؟

تركت الرجل وهمت على وجهي، فما علمت بنفسي إلا وأنا أسير طويلًا من دون اتجاه معيّن.. ثم صمّمت على البحث عن مثل هذه الآيات مهما كلّفني الأمر، ولكنني عجزت وهزمت، فذهبت إلى المجلس الكنسي وطلبت أن أجتمع بأعضائه، فوافقوا.. وفي الاجتماع أخبرتهم بما سمعت فإذا بالجميع يهاجمونني ويقولون لي: خدعك الهندي.. إنه يريد أن يضلك بدين الهنود. فقلت لهم: إذًا أجيبوني أنتم!! وردّوا على تساؤله! فلم يجب أحد!

 وجاء يوم الأحد الذي ألقي فيه خطبتي ودرسي في الكنيسة، ووقفت أمام الناس لأتحدّث، فلم أستطع وتعجّب الناس لوقوفي أمامهم دون أن أتكلم. فانسحبت إلى داخل الكنيسة وطلبت من صديق لي أن يحلّ محلّي، وأخبرته بأنني منهك.. وفي الحقيقة كنت منهارًا، ومحطمًا نفسيًّا.

 وذهبت إلى منزلي وأنا في حالة ذهول وهمّ كبير، ثم توجّهت إلى مكان صغير في منزلي وجلست أنتحب فيه، ثم رفعت بصري إلى السماء، وأخذت أدعو، ولكن أدعو من؟ لقد توجّهت إلى من اعتقدت أنه هو الله الخالق.. وقلت في دعائي: (ربي.. خالقي.. لقد أُقفلت الأبواب في وجهي غير بابك، فلا تحرمني من معرفة الحق، أين الحق وأين الحقيقة؟ يا رب! يا رب لا تتركني في حيرتي، وألهمني الصواب ودلّني على الحقيقة)، ثم غفوت، وإذا بي أرى في المنام قاعة كبيرة جدًّا، ليس فيها أحد غيري.. وفي صدر القاعة ظهر رجل، لم أتبيّن ملامحه من النور الذي كان يشعّ منه وحوله، فظننت أن ذلك هو الله الذي خاطبته بأن يدلني على الحق.. ولكني أيقنت بأنه رجل منير.. فأخذ الرجل يشير إليّ وينادي: يا إبراهيم! فنظرت حولي، لأشاهد من هو إبراهيم؟ فلم أجد أحدًا معي في القاعة.. فقال لي الرجل: أنت إبراهيم.. اسمك إبراهيم.. ألم تطلب من الله معرفة الحقيقة.. قلت: نعم.. قال: انظر إلى يمينك.. فنظرت إلى يميني، فإذا مجموعة من الرجال تسير حاملة على أكتافها أمتعتها، وتلبس ثيابًا بيضاء، وعمائم بيضاء. وتابع الرجل قوله: اتبع هؤلاء لتعرف الحقيقة!! واستيقظت من النوم، وشعرت بسعادة كبيرة تنتابني، ولكنني لم أكن مرتاحًا عندما أخذت أتساءل.. أين سأجد هذه الجماعة التي رأيت في منامي؟

وصمّمت على مواصلة المشوار، مشوار البحث عن الحقيقة، كما وصفها لي من جاء ليدلّني عليها في منامي. وأيقنت أن هذا كلّه بتدبير من الله سبحانه وتعالى.. فأخذت إجازة من عملي، ثم بدأت رحلة بحث طويلة، أجبرتني على الطواف في مدن عدّة أبحث وأسأل عن رجال يلبسون ثيابًا بيضاء، ويتعمّمون عمائم بيضاء أيضًا.. وطال بحثي وتجوالي، وكل من كنت أشاهدهم مسلمين يلبسون البنطال ويضعون على رؤوسهم الكوفيات فقط.

وصل بي تجوالي إلى مدينة جوهانسبرغ وأتيت إلى مكتب استقبال لجنة مسلمي أفريقيا، وفي هذا المكتب سألت موظف الاستقبال عن هذه الجماعة، فظن أنني شحاذ، ومدّ يده ببعض النقود فقلت له: ليس هذا أسألك! أليس لكم مكان للعبادة قريب من هنا؟ فدلّني الموظف على مسجد قريب.. فتوجّهت نحوه.. فإذا بمفاجأة كبرى كانت في انتظاري!!

لقد كان على باب المسجد رجل يلبس ثيابًا بيضاء ويضع على رأسه عمامة! ففرحت، فهو من نفس النوعية التي رأيتها في منامي! فتوجهت إليه رأسًا وأنا سعيد بما أرى! فإذا بالرجل يبادرني قائلًا، وقبل أن أتكلم بكلمة واحدة: مرحبًا يا إبراهيم!!! فتعجبت وصعقت بما سمعت!! فالرجل يعرف اسمي قبل أن أعرّفه بنفسي! فتابع الرجل قائلًا: لقد رأيتك في منامي بأنك تبحث عنا، وتريد أن تعرف الحقيقة.. والحقيقة هي في الدّين الذي ارتضاه الله لعباده الإسلام. فقلت له: نعم، أنا أبحث عن الحقيقة ولقد أرشدني الرجل المنير الذي رأيته في منامي لأن أتبع جماعة تلبس مثل ما تلبس أنت.. فهل يمكنك أن تقول لي، من ذلك الذي رأيت في منامي؟ فقال الرجل: ذاك نبينا مُحمَّد نبي الإسلام الدين الحق، رسول الله صلى الله عليه وسلم!!

لم أصدق ما حدث لي، ولكنني انطلقت نحو الرجل أعانقه، وأقول له: أحقًّا كان ذلك رسولكم ونبيّكم، أتاني ليدلّني على دين الحق؟ قال الرجل: أجل. ثم أخذ الرجل يرحّب بي، ويهنئني بأن هداني الله لمعرفة الحقيقة.. ثم جاء وقت صلاة الظهر. فأجلسني الرجل في آخر المسجد، وذهب ليصلي مع بقية الناس، وشاهدت المسلمين –وكان كثير منهم يلبس مثل الرجل- شاهدتهم وهم يركعون ويسجدون لله، فقلت في نفسي: (والله إنه الدّين الحق، فقد قرأت في الكتب أن الأنبياء والرسل كانوا يضعون جباههم على الأرض سجّدًا لله)!

وبعد الصلاة ارتاحت نفسي واطمأنت لما رأيت وسمعت، وقلت في نفسي: (والله لقد دلّني الله سبحانه وتعالى على الدين الحق).. وناداني الرجل المسلم لأعلن إسلامي، ونطقت بالشهادتين، وأخذت أبكي بكاءً عظيمًا فرحًا بما منَّ الله عليَّ من هداية.

 ثم بقيت معهم أتعلم الإسلام، ثم خرجت معهم في رحلة دعوية استمرت طويلًا، فقد كانوا يجوبون البلاد طولًا وعرضًا، يدعون الناس إلى الإسلام، وفرحت بصحبتي لهم، وتعلمت منهم الصلاة والصيام وقيام الليل والدعاء والصدق والأمانة، وتعلمت منهم بأن المسلمين أمّة كلّفها الله مسؤولية تبليغ دينه، وتعلمت كيف أدعو إلى الله، وتعلمت منهم الحكمة في الدعوة إلى الله، وتعلمت منهم الصبر والحلم والتضحية والبساطة.

 وبعد شهور عدّة عدت إلى مدينتي، فإذا بأهلي وأصدقائي يبحثون عني، وعندما شاهدوني أعود إليهم باللباس الإسلامي، أنكروا عليَّ ذلك، وطلب مني المجلس الكنسي أن أعقد معهم لقاءً عاجلًا، وفي ذلك اللقاء أخذوا يؤنّبونني لتركي دين آبائي وعشيرتي، وقالوا لي: لقد خدعك الهنود بدينهم وأضلّوك!! فقلت لهم: لم يخدعني ولم يضلني أحد.. فقد جاءني رسول الله مُحمَّد صلى الله عليه وسلم في منامي ليدلّني على الحقيقة، وعلى الدين الحق. إنَّه الإسلام، وليس دين الهنود كما تدعونه.. وإنني أدعوكم إلى الحق وإلى الإسلام، فبهتوا!!

ثم جاؤوني من باب آخر، مستخدمين أساليب الإغراء بالمال والسلطة والمنصب، فقالوا لي إن الفاتيكان طلبتني لأقيم فيها ستة أشهر، في انتداب مدفوع القيمة مقدمًا، مع شراء منزل جديد وسيارة جديدة لي، ومبلغ من المال لتحسين معيشتي، وترقيتي لمنصب أعلى في الكنيسة! فرفضت كل ذلك، وقلت لهم: أبعد أن هداني الله تريدون أن تضلوني.. والله لن أفعل ذلك، ولو قطعت إربًا!!

ثم قمت بنصحهم ودعوتهم مرة ثانية للإسلام، فأسلم اثنان من القساوسة، والحمد لله... فلما رأوا إصراري، سحبوا كل رتبي ومناصبي، ففرحت بذلك، بل كنت أريد أن أبتدرهم بذلك، ثم قمت وأرجعت لهم ما لدي من أموال وعهدة، وتركتهم..

وهكذا تبدّلت حال إبراهيم سيلي، القسّ النصراني السابق، الذي أغدق عليه النصارى المال ليجعلوا منه بوقًا تنصيريًّا يضلل الناس عن نور الحق ويدفع بهم إلى ظلمات الكفر، ففاجأهم بأن ترك عرضهم الزائل جانبًا وأقبل على ما عند الله الذي لا ينفد حتى ترسّخ في قلبه الإيمان فتحوّل معه من آلة تنصيرية مدمّرة تنشر الفكر السقيم إلى شعلة من النشاط همّه الأوّل والأخير الدعوة إلى الله في مختلف أنحاء جنوب أفريقيا، ليكون سببًا في إخراج الكثيرين من ظلمات الشرك والكفر إلى نور التوحيد والإسلام.

-----------------------------------------------------

المصدر:

سرحان، عبدالعزيز أحمد: قصة إسلام غريبة جدًا؛ صحيفة عكاظ السعودية، العدد 12200، الجمعة 15 شوال 1420هـ، الموافق 21 يناير 2000م).

 


تعليقات (
0
)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.