عدد الزيارات: 840

عجائب البيان في تسوية البنان


إعداد: الدكتور/ أحمد مُحمَّد زين المنّاوي
آخر تحديث: 18/09/2016 هـ 22-04-1437

يقول الله تعالى في محكم تنزيله:

لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) القيامة

لو كنت فنانًا تشكيليًّا بارعًا وأُعطيت مساحة لا تتجاوز السنتمتر مربع وطُلب منك توظيف هذه المساحة المحدودة في رسم مليارات من التصاميم التي لا يشبه بعضها بعضًا فهل بمقدورك فعل ذلك؟ أيًّا كانت إجابتك عن هذا السؤال، ولتتعرّف إلى المغزى منه اقرأ هذا المقال..

لقد تاه المفسّرون الأوائل واحتاروا في فهم مراد اللَّه عزّ وجلّ من هذه الآيات التي وردت في صدر هذا المقال، وذكر بعضهم أن المقصود بالبنان العظام الصغيرة والأظافر، وبناءً على ذلك فسّروا الآية الأخيرة بقولهم إن كان الله  قادرًا على إعادة هذه العظام الصغيرة والأظافر كما كانت، والتأليف بينها حتى تستوي، فهو أكثر قدرة على أن يعيد ما هو أكبر منها (في إشارة منهم إلى جمع العظام البالية). أما المفسرون المحدثون، واستنادًا إلى ما توصل إليه العلم الحديث من حقائق علمية راسخة في هذا المجال، فقد ذكروا أن المقصود بالبنان أطراف الأصابع من اليدين والرجلين.

يقول ابن منظور في لسان العرب: إن البنان هو أطراف الأصابع من اليدين والرجلين.

بصمة

فبعد أن أنكر كفار قريش قدرة اللَّه عزّ وجلّ على جمع العظام النخرة البالية، ردّ عليهم ربّ العزة بأنه قادر على ما هو أرقى وأسمى وأدق من مجرد جمعها، وهو تسوية البنان، هذا الجزء الدقيق الذي يُعرِّف عن صاحبه، وقد ثبت يقينًا أنه يميِّز كل إنسان عن الآخر مهما تباعدت الأمكنة والأزمان، ولذلك استخدمته الجهات الأمنية دوليًّا لهذا الغرض.

ولم يتوصّل العلم إلى حقيقة البصمة، وأهميتها إلا في نهاية القرن التاسع عشر، وبعد إجراء دراسات مكثّفة على أعداد كبيرة جدًّا من الناس من مختلف الأجناس، حيث ثبت أنه لا يوجد شخصان في أي زمان أو مكان لهما الخطوط المميّزة لبصمات الأصابع نفسها! ولا تتطابق البصمات بين شخصين أبدًا، حتى لو كانا توأمين متشابهين في كل شيء، بل تظل هذه البصمات ثابتة ومميّزة للإنسان طوال حياته. وبسبب هذه الخاصية التي تتمتع بها البصمة نجد أن الجهات الأمنية استخدمتها دوليًّا كوسيلة مثلى لتحديد هوية الأشخاص.

كما ثبت علميًّا أن بصمات كل إنسان تظل ثابتة معه مدى الحياة ولا تتأثر بتقدم العمر ولا تتغير نتيجة للإصابات؛ حتى لو احترق جلد الأصبع، وتكوَّن مكانه جلد جديد تظهر عليه البصمات بأشكالها المميّزة نفسها التي كانت عليها في الجلد القديم، وبذلك تم الاعتماد على البصمة وتوظيفها في التمييز بين البشر.

وهكذا نجد أن إنكار كفار قريش للبعث يوم القيامة قابله النص القرآني القائل إن الله قادر على ما هو أصعب وأدقّ من مجرد جمع عظام الميت، وهو خلق بنانه وتسويته ، هذا الجزء الدقيق من طرف الأصبع الذي يعرّف عن صاحبه، ويميز كل إنسان عن الآخر مهما تقدم به العمر ومهما عصفت به الحوادث.

بصمة

هذا ما أورده القرآن الكريم عن البنان منذ ما يزيد على أربعة عشر قرنًا من الزمان فماذا عن العلم الذي بتطوّره أوضح لنا مراد اللَّه عزّ وجلّ من هذه الآيات؟

في عام 1823م اكتشف عالم التشريح التشيكي (بركنجي) حقيقة البصمات وتوصل إلى أن الخطوط الدقيقة الموجودة في رؤوس الأصابع (البنان) تختلف من شخص لآخر، بل توصل إلى أن هناك أربعة أنواع من هذه الخطوط هي: الأقواس والدوائر والعقد والمركّبة (أي من أشكال متعدّدة).

وبعد مضي 35 عاماً من هذا الاكتشاف، أي في عام 1858م، أشار العالم الإنجليزي وليم هرشل إلى أن بصمات الأصابع تختلف باختلاف أصحابها، الأمر الذي جعل منها دليلًا مميّزًا لكل شخص. أما في عام 1877م فقد اخترع الدكتور هنري فولدز طريقة وضع البصمة على الورق باستخدام حبر المطابع، بينما أثبت الدكتور فرانسيس غالتون، في عام 1892م، أن صورة البصمة لأي أصبع تعيش مع صاحبها طوال حياته فلا تتغير بتقدم عمره أو بتعرضه للإصابات. وفي عام 1893م أسّس مفوّض أسكتلند يارد، إدوارد هنري، نظامًا سهلًا لتصنيف البصمات وتجميعها، وقد أدخلت البصمات في العام نفسه كدليل قوي في دوائر الشرطة في أسكتلند يارد.

سبحان الله! عندما أنكر كفار قريش قدرة اللَّه عزّ وجلّ على جمع العظام النخرة البالية، ردّ عليهم الله سبحانه وتعالى بأنه قادر على ما هو أرقى وأسمى وأدق من مجرد جمعها، أي  تسوية البنان، هذا الجزء الدقيق الذي يمثل هوية صاحبه، والذي يميِّز كل إنسان عن الآخر مهما تباعدت الأمكنة والأزمان منذ بداية خلق الإنسان وحتى قيام الساعة!

قف وتأمّل! كم عدد من حوتهم القبور وابتعلتهم الأرض منذ أن وارى قابيل جسد أخيه هابيل الثرى، وكم عدد من سيولدون منذ هذه اللحظة حتى قيام الساعة؟ السابقين والحاضرين والقادمين، مليارات البشر، ولا تتطابق البصمات بين اثنين منهم أبدًا، مهما تباعدت بهم الأمكنة والأزمان!

ومما يثير الدهشة أنك لو تأمّلت ترتيب هذه الآية الكريمة ترى عجبًا:

بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)!

لقد جاء ترتيب هذه الآية رقم 5555 من بداية المصحف!

قف عند هذا العدد المميّز وتأمّله جيِّدًا!! فما هي علاقته بالبنان؟ ولماذا جاء ترتيب هذه الآية، وهي الآية الوحيدة التي تتحدّث عن تسوية البنان في القرآن الكريم، في الترتيب رقم 5555 من بداية المصحف؟ ولماذا جاء رقمها 4؟ وأين يكمن العجب في ذلك؟

تتمثل الإجابة عن هذه الأسئلة في ما يأتي: 

هذه الآية رقمها 4 وترتيبها من بداية المصحف رقم 5555

الآية رقمها 4 لأن لكل إنسان 4 أطراف في كل طرف 5 بنان!

يده اليمنى تنتهي بخمسة أصابع في كل أصبع بنان ويده اليسرى كذلك!

رجله اليمنى تنتهي بخمسة أصابع في كل أصبع بنان ورجله اليسرى كذلك!

 

بصمة

الآن هل عرفت لماذا جاء رقم الآية 4 وترتيبها من بداية المصحف 5555؟

بل إذا تأمّلت موقع لفظ (بَنَانَهُ) تجده الكلمة رقم 20 من بداية السورة، وهذا العدد = 5 × 4

4 أطراف في كل طرف 5 بنان!!

مجموع تراتيب السور من بداية المصحف حتى سورة القيامة التي وردت آية البنان هو 2775

وهذا العدد = 5 × 555

وهكذا تتجلّى خُماسيات البنان من زوايا مختلفة لتؤكد الحقيقة نفسها!

إن لكل إنسان 4 أطراف وفي  كل طرف منها 5 بنان!

سبحانك ربي.. أم يقولون افتراه!!

 

والآن تأمّل:

ترتيب آية البنان من بداية المصحف هو 5555

ترتيب لفظ (بَنَانَهُ) من بداية سورة القيامة هو 5 + 5 + 5 + 5

عدد كلمات سورة القيامة 165 كلمة، وهذا العدد = 55 + 55 + 55

ولا تنسَ أن تنتبه إلى أن لفظ (بَنَانَهُ) يتألّف من 5 أحرف.

وسورة القيامة هي السورة رقم 75 من بداية المصحف، وهذا العدد = 5 × 5 × 3

ترتيب سور القرآن من بداية المصحف حتى سورة القيامة (1 + 2 + 3 +...75) = 2850

وهذا العدد = 5 × 5 × 114

أوّل كلمة في سورة القيامة ترتيبها من بداية المصحف رقم 74898، وهذا العدد = 114 × 657

وأنت تعلم أن 114 هو عدد سور القرآن الكريم!

 

تأمّل أين ورد لفظ البنان لأوّل مرّة في القرآن:

إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) الأنفال

وتأمّل أين ورد لفظ البنان لآخر مرّة في القرآن:

بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) القيمة

والآن ما هي العلاقة بين الآيتين؟ لا تفكّر كثيرًا..

الآية الأولى عدد كلماتها 23 كلمة.

والآية الثانية عدد حروفها 23 حرفًا.

مع العلم أن لفظ "بنان" لم يرد في القرآن كلّه إلا في هاتين الآيتين فقط!
بل هناك ما هو أعجب من ذلك! فتأمّل..

حرف الباء ورد في هاتين الآتين 9 مرّات.

حرف النون ورد في هاتين الآتين 13 مرّة.

حرف الألف ورد في هاتين الآتين 24 مرّة.

هذه هي أحرف لفظ (بنان) تكرّرت في الآيتين 46 مرّة، وهذا العدد = 23 + 23

والعدد 23 هو عدد أعوام نزول القرآن، ولكنه يشير هنا إلى حقيقة علمية في غاية الأهميّة!

لقد توصّل العلم الحديث إلى أن لكل إنسان 23 زوجًا من الكروموسومات (23 + 23) تشكّل في مجملها البصمة الوراثية للإنسان.

دي ان ان

والعجيب أن السورة التي تأتي بعد سورة القيامة مباشرة هي سورة الإنسان!!

وتعتبر هذه البصمة الوراثية لكل إنسان نسخة فريدة تميزه عن سائر الخلق.

وكما أنه لا يمكن أن تتطابق بصمات الأصابع فمن المستحيل كذلك تطابق البصمة الوراثية لشخصين!

هل رأيتم أعجب من ذلك؟! إنه القرآن العظيم الذي لا تنقضي عجائبه!!

 

سؤال آخر..

لماذا جاءت آيتا البنان في سورتي الأنفال والقيامة؟

سورة الأنفال هي السورة الوحيدة التي عدد آياتها 75 آية!

وسورة القيامة هي السورة التي ترتيبها في المصحف رقم 75

والعدد 75 يساوي 25 × 3

والفرق بين عدد آيات السورتين يساوي 25

ولكن لماذا يتأكّد هذا العدد بهذه الطريقة العجيبة!

لأن مجموع أرقام آيات سورة الأنفال = 2850

ومجموع سور القرآن من بداية المصحف حتى سورة القيامة = 2850

وهذا العدد 2850 يساوي 114 × 25

وأنتم تعلمون أن 114 هو عدد سور القرآن!

وتعلمون أيضًا أن العدد 25 يساوي 5 × 5

روابط رقمية قرآنية مذهلة!

 

والآن يمكنك أن تعيد قراءة آية تسوية البنان مرّة أخرى، وبمفهوم جديد:

بَلَى قَادِرِيْنَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) القيامة

إن هذه الآية مقام إعجاز، ولذلك جاء ارتباطها بالأعداد الأوّليّة بشكل عجيب! هذه الأعداد التي لا تزال لغزًا يتحدّى العقل البشري، وسرًّا يؤرّق أساطين علم العدد عبر القرون!

فبما أن عدد آيات القرآن الكريم 6236 آية وأن آية تسوية البنان هذه ترتيبها رقم 5555 من بداية المصحف، يمكنك أن تستنتج بسهولة أن هذه الآية جاءت قبل 681 آية من نهاية المصحف! عجيب! هل تعلم إلى ماذا يشير هذا العدد؟ هذا العدد 681 يساوي 3 × 227

3 هو أصغر الأعداد الأوّليّة المستخدمة في الدلالة على عدد آيات سور القرآن!

227 هو أكبر الأعداد الأوّليّة المستخدمة في الدلالة على عدد آيات سور القرآن!

فهل كان مُحمَّد صلى الله عليه وسلّم يعتني بكل هذه التفاصيل ليختار ألفاظ القرآن ومواقع آياته؟! وكم من الوقت استغرقه لنظم القرآن كلّه بهذه الطريقة المحكمة؟! وكيف فعل ذلك والقرآن العظيم لم يكن مرقَّمًا في عهده صلى الله عليه وسلّم؟! وكيف فعل ذلك والقرآن الكريم نزل منجمًا على مدى 23 عامًا؟!

سبحانك ربي جلّت قدرتك.. ما أعظم كتابك وما أعجب نظمه وبناءه وترتيبه! سبحانك ربي ما أعظمك وما أعظم فضلك وإحسانك وأنت تنزِّل علينا قبسًا من نورك، ونسيمًا من هداك، ونفحات من كلامك، تقشعر منها الأبدان وتلين، وتخشع لها القلوب وتستكين. سبحانك ربي ما أعجب قرآنك وبيانك، وما أروع نظمه وإحكامه، وفي كل كلمة، بل وفي كل حرف من حروفه آية تدلّ على عظمتك وسعة علمك وعظيم قدرتك، وتؤكّد أن هذا القرآن العظيم كلامك ووحيك إلى خاتم رسلك وأنبيائك، سيدنا مُحمَّد –صلى اللَّه عليه وسلّم-.

-----------------------------------------------------------------------------------

المصادر:

أوّلًا: القرآن الكريم.

 

ثانيًا: المصادر الأخرى:

  • ابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم (1414 هـ)؛ لسان العرب؛ بيروت: دار صادر.
  • المنّاوي، أحمد مُحمَّد زين (2015)؛ قطوف الإيمان من عجائب إحصاء القرآن؛ طريق القرآن للنشر.
  •  بصمــات الأصــابع؛ أُسترجع في تاريخ 11 يناير 2016، من موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة (http://www.eajaz.org).
  • مُحمَّد سامي مُحمَّد علي (1993)؛ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم؛ دمشق: دار المحبّة.

 

 


تعليقات (
0
)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.