عدد الزيارات: 3.2K

حتى الملائكة تسأل


إعداد: الدكتور/ أحمد مُحمَّد زين المنّاوي
آخر تحديث: 20/10/2016 هـ 24-10-1437

رأى نفسه في غرفة تخلو من الأثاث باستثناء سجادة حمراء مفروشة على أرضها.. جدرانها رمادية اللون تفتقر إلى أي نوع من الزينة.. الضوء يتسلل إليها عبر نافذة صغيرة.. كان يقف هو في الصف الثالث مع آخرين غريبين عنه ضمّته معهم صفوف متراصّة في انتظام بديع.. كان السكون يخيّم على المكان بصورة هادئة أكسبته هالة من الجلال.. رأى الجميع – وهو معهم- ينحنون في انتظام حتى تلامس جباههم الأرض.. أرسل بصره إلى ما بعد الصف الأوّل تحديدًا في الاتجاه الذي تشع منه النافذة بالضياء.. رأى رجلًا يرتدي الأبيض من الثياب يؤمّ الجميع! استيقظ من نومه في وجل تظلّله الرهبة ويحفّه الغموض!

ما سبق ذكره هو حلم عجيب رآه أستاذ علم الرياضيات الأمريكي، البروفيسور جفري لانج! بل رؤيا ظلت تتكرّر عليه لمرات عدّة خلال السنوات العشر التي سبقت إسلامه، وكان يستيقظ على إثرها منشرح الصدر ومرتاح البال. ظلّت أحداث هذه الرؤيا تتحوّل إلى واقع حقيقي يعيشه بطل هذه القصّة وهو لا يشعر بذلك حتى اكتملت حلقاتها تمامًا فرآها دفعة واحدة عيانًا بيانًا ماثلة أمام ناظريه.. أما كيف تجمّعت حلقات هذه الرؤيا، وكيف رآها فهذا ما سنعرفه من خلال هذه القصة الباهرة المؤثرة.

ما بين لحظات روحانية غامرة وأفكار فلسفية عميقة، يروي لنا البروفيسور جفري لانج، كيفية اعتناقه للدين الإسلامي، وذلك في كتاب صدر له مؤخرًا بعنوان "حتى الملائكة تسأل"، ومن قبله كتاب آخر بعنوان "الصراع من أجل الإيمان".

يحدثنا البروفيسور لانج عن اللحظات الحرجة التي سبقت إسلامه: في جامعة سان فرانسيسكو تعرّفت إلى طالب عربي كنت أُدرِّسُهُ، فتوثقت علاقتي به، وأهداني نسخة من كتاب لمعاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية، فلما قرأته لأوّل مرة شعرت كأن القرآن هو الذي "يقرؤني"!.

لقد أسرني القرآن بقوة، وتملّك قلبي، وجعلني أستسلم لله.. والقرآن يدفع قارئه إلى اللحظة القصوى، حيث يتبدّى للقارئ أنه يقف بمفرده أمام خالقه.. وإذا ما اتخذت القرآن بجديّة فإنه لا يمكنك قراءته ببساطة، فهو يجادلك، وينتقدك ويُخجلك ويتحداك! لقد بدا لي واضحًا أن مُنزل القرآن كان يعرفني أكثر مما أعرف نفسي! لقد كان القرآن يسبقني دومًا في تفكيري، وكان يخاطب تساؤلاتي.. لقد قابلت نفسي وجهًا لوجه في صفحات القرآن!

وفي يوم عزمت على زيارة ذلك الطالب في مسجد الجامعة، فهبطت الدرج ووقفت أمام باب المسجد متهيبًا الدخول، فصعدت وأخذت نفسًا طويلًا، وهبطت ثانية! ولم تكن رجلاي قادرتين على حملي! مددت يدي إلى قبضة الباب فبدأت ترتجف، ثم هرعت إلى أعلى الدرج ثانية!

لقد شعرت بالهزيمة، وفكرت بالعودة إلى مكتبي! مرّت ثوانٍ عدّة كانت عصيبة اضطرتني إلى أن أنظر خلالها إلى السماء! لقد مرّت عليّ عشر سنوات وأنا أقاوم الدعاء والنظر إلى السماء! أما الآن فقد انهارت المقاومة وارتفع الدعاء: "اللهم إن كنت تريد لي دخول المسجد فامنحني القوة".

نزلت الدرج.. دفعت باب المسجد، وكان في الداخل شابان يتحادثان.. ردّا التحية، وسألني أحدهما: هل تريد أن تعرف شيئًا عن الإسلام؟ أجبت: نعم، نعم!! وبعد حوار طويل أبديت رغبتي في اعتناق الإسلام فقال لي الإمام: قل أشهد، قلت: أشهد، قال: أن لا إله، قلت: أن لا إله، قال: إلا الله، ردّدتها، قال: وأشهد أن محمدًا رسول الله، نطقتها بعده.

لقد كانت هذه الكلمات كقطرات الماء الصافي تنحدر في الحلق المحترق لرجل قارب الموت من الظمأ.. لن أنسى أبدًا اللحظة التي نطقت بها بالشهادة لأول مرة، لقد كانت بالنسبة إليّ اللحظة الأصعب في حياتي كلها، ولكنها الأكثر قوة وتحررًا.

يقول البروفيسور جفري لانج: في اليوم الذي اعتنقت فيه الإسلام، قدم إليّ إمام المسجد كتيبًا يشرح كيفية أداء الصلاة. وفي تلك الليلة، أمضيت وقتًا طويلًا جالسًا على الأريكة في غرفتي الصغيرة بإضاءتها الخافتة، حيث كنت أدرس حركات الصلاة وأكررها، وكذلك الآيات القرآنية التي سأتلوها، والأدعية الواجب قراءتها في الصلاة. وبما أن معظم ما كنت سأتلوه كان باللغة العربية، فقد لزمني حفظ النصوص بلفظها العربي، وبمعانيها باللغة الإنجليزية.

وتفحصت الكتيب ساعات عدة، قبل أن أجد في نفسي الثقة الكافية لتجربة الصلاة الأولى. وكان الوقت قد قارب منتصف الليل، لذلك قررت أن أصلي صلاة العشاء. ودخلت الحمام ووضعت الكتيب على طرف المغسلة مفتوحًا على الصفحة التي تشرح الوضوء. وتتبّعت التعليمات الواردة فيه خطوة خطوة، بتأنٍ ودقة، مثل طاهٍ يجرب وصفة لأوّل مرة في المطبخ. وعندما انتهيت من الوضوء، أغلقت الصنبور وعدت إلى الغرفة والماء يقطر من أطرافي. إذ تقول تعليمات الكتيب إنه من المستحب ألا يجفف المتوضئ نفسه بعد الوضوء.

ووقفت في منتصف الغرفة، متوجهًا إلى ما كنت أحسبه اتجاه القبلة. نظرت إلى الخلف لأتأكد من أنني أغلقت باب شقتي، ثم توجهت إلى الأمام، واعتدلت في وقفتي، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم رفعت يدي، وبراحتين مفتوحتين ملامسًا شحمتي الأذنين بإبهامي.. ثم بعد ذلك قلت بصوت خافت (الله أكبر).. كنت آمل ألا يسمعني أحد.. فقد كنت أشعر بشيء من الانفعال. إذ لم أستطع التخلص من قلقي من كون أحد يتجسس عليّ! وفجأة أدركت أنني تركت الستائر مفتوحة! وتساءلت: ماذا لو رآني أحد الجيران؟!

تركت ما كنت فيه، وتوجهت إلى النافذة، ثم جلت بنظري في الخارج لأتأكد من عدم وجود أحد. وعندما رأيت الباحة الخلفية خالية، أحسست بالارتياح. فأغلقت الستائر، وعدت إلى منتصف الغرفة ومرة أخرى، توجهت إلى القبلة، واعتدلت في وقفتي، ورفعت يدي إلى أن لامس الإبهامان شحمتي أذني، ثم همست (الله أكبر).. وبصوت خافت لا يكاد يسمع، قرأت فاتحة الكتاب ببطء وتلعثم، ثم اتبعتها بسورة قصيرة باللغة العربية، وإن كنت أظن أن أي عربي لم يكن ليفهم شيئًا لو سمع تلاوتي تلك الليلة. ثم بعد ذلك تلفظت بالتكبير مرة أخرى بصوت خافت وانحنيت راكعًا حتى صار ظهري متعامدًا مع ساقي واضعًا كفي على ركبتي وشعرت بالإحراج، إذ لم أنحن لأحد في حياتي. ولذلك فقد سررت لأنني وحدي في الغرفة. وبينما كنت ما أزال راكعًا، كررت عبارة (سبحان ربي العظيم) مرات عدّة. ثم اعتدلت واقفًا وأنا أقول (سمع الله لمن حمده) ثم (ربنا ولك الحمد).. أحسست بقلبي يخفق بشدة، وتزايد انفعالي عندما كبّرت مرة أخرى بخضوع فقد حان وقت السجود.. وتجمدت في مكاني، بينما كنت أحدق في البقعة التي أمامي، حيث كان عليّ أن أهوي إليها على أطرافي الأربعة وأضع وجهي على الأرض!

لم أستطع أن أفعل ذلك! لم أستطع أن أنزل بنفسي إلى الأرض! لا أستطيع أن أذلّ نفسي بوضع أنفي على الأرض، شأن العبد الذي يتذلل أمام سيده! لقد خيّل لي أن ساقي مقيدتان لا تقدران على الانثناء! لقد أحسست بكثير من العار والخزي. وتخيلت ضحكات أصدقائي ومعارفي وقهقهاتهم، وهم يراقبونني وأنا أجعل من نفسي مغفلًا أمامهم، وتخيّلت كم سأكون مثيرًا للشفقة والسخرية بينهم، وكدت أسمعهم يقولون (مسكين جفري لقد أصابه العرب بمسّ في سان فرانسيسكو، أليس كذلك؟).

وأخذت أدعو (أرجوك، أرجوك، أعنّي على هذا). أخذت نفسًا عميقًا، وأرغمت نفسي على النزول.. الآن صرت على أربعتي، ثم ترددت لحظات قليلة، وبعد ذلك ضغط وجهي على السجادة.. أفرغت ذهني من كل الأفكار، وتلفظت ثلاث مرات بعبارة (سبحان ربي الأعلى)، (الله أكبر) قلتها ورفعت من السجود جالسًا على عقبي وأبقيت ذهني فارغًا رافضًا السماح لأي شيء أن يصرف انتباهي. (الله أكبر) ووضعت وجهي على الأرض مرة أخرى. وبينما كان أنفي يلامس الأرض، رحت أكرر عبارة (سبحان ربي الأعلى) بصورة آلية.. فقد كنت مصممًا على إنهاء هذا الأمر مهما كلّفني ذلك. (الله أكبر) وانتصبت واقفًا، فيما قلت لنفسي: لا تزال هناك ثلاث جولات أمامي. وصارعت عواطفي وكبريائي في ما تبقى لي من الصلاة. ولكن الأمر صار أهون في كل ركعة. حتى أنني كنت في سكينة شبه كاملة في آخر سجدة. ثم قرأت التشهد في الجلوس الأخير، وأخيرًا سلّمت عن يميني وشمالي.

وبينما بلغ بي الإعياء مبلغه، بقيت جالسًا على الأرض، وأخذت أراجع المعركة التي مررت بها، لقد أحسست بالإحراج لأنني عاركت نفسي كل ذلك العراك في سبيل أداء الصلاة إلى آخرها. ودعوت برأس منخفض خجلًا: (اغفر لي تكبّري وغبائي، فقد أتيت من مكان بعيد ولا يزال أمامي سبيل طويل لأقطعه).

وفي تلك اللحظة، شعرت بشيء لم أجربه من قبل، ولذلك يصعب عليّ وصفه بالكلمات.. فقد اجتاحتني موجة لا أستطيع أن أصفها إلا بأنها كالبرودة، وبدا لي أنها تشع من نقطة ما في صدري. وكانت موجة عارمة فوجئت بها في البداية حتى أنني أذكر أنني كنت أرتعش. غير أنها كانت أكثر من مجرد شعور جسدي، فقد أثّرت في عواطفي بطريقة غريبة أيضًا.

لقد بدا كأن الرحمة قد تجسدت في صورة محسوسة وأخذت تغلفني وتتغلغل في جسدي... ثم بدأت بالبكاء من غير أن أعرف السبب، فقد أخذت الدموع تنهمر على وجهي، ووجدت نفسي أنتحب بشدة... وكلما زاد بكائي، ازداد إحساسي بأن قوة خارقة من اللطف والرحمة تحتضنني. ولم أكن أبكي بدافع من الشعور بالذنب، برغم أنه يجدر بي ذلك، ولا بدافع من الخزي أو السرور. لقد بدا كأن سدًّا قد انفتح مطلقًا عنان مخزون عظيم من الخوف والغضب بداخلي.

ظللت لبعض الوقت جالسًا على ركبتي، منحنيًا إلى الأرض، منتحبًا ورأسي بين كفي. وعندما توقفت عن البكاء أخيرًا، كنت قد بلغت الغاية في الإرهاق. فقد كانت تلك التجربة جارفة وغير مألوفة إلى حد لم يسمح لي حينها بأن أبحث عن تفسيرات عقلانية لها. وقد رأيت أن هذه التجربة أغرب من أن أستطيع إخبار أحد بها.

أما أهم ما أدركته في ذلك الوقت فهو أنني في حاجة ماسّة إلى الله وإلى الصلاة، وقبل أن أقوم من مكاني، دعوت بهذا الدعاء الأخير: "اللهم إذا تجرأت على الكفر بك مرة أخرى، فاقبض روحي قبل ذلك، وخلصني من هذه الحياة.. ومن الصعب جدًّا أن أحيا بكل ما عندي من النواقص والعيوب لكنني لا أستطيع أن أعيش يومًا واحدًا آخر وأنا أنكر وجودك.

سبحان الله! ما أعظم الإسلام وما أحلى الإيمان إذا لامست بشاشته القلوب.. إن للإيمان حلاوة لا يتذوق طعمها الحقيقي إلا من أسلم وجهه إلى ربه وهو ناضج بعد سنوات طوال قضاها تائهًا وسط ظلمات الكفر والإلحاد، وهو ما ينطبق على كل من دخل الإسلام لتوِّه حتى ولو كان أميًّا أو محدود التعليم، فما بالك بعالم كبير في مقام بطل هذه القصّة.

يتابع البروفيسور الأمريكي جفري لانج حديثه فيقول: بعد يومين من اعتناقي الإسلام صليت أوّل صلاة جمعة، وكنا في الركعة الثانية، والإمام يتلو القرآن، ونحن خلفه في صفوف متراصّة، الكتف يلامس الكتف، وكنا جميعًا نتحرك بانتظام وكأننا جسد واحد، وكنت أنا في الصف الثالث! وجباهنا على السجادة الحمراء المفروشة على الأرض، وكان الجو هادئًا والسكون مخيّمًا على المكان!! والإمام يرتدي عباءة بيضاء ويقف تحت النافذة الصغيرة التي يتسلل منها النور!! فصرخت في نفسي: إنه الحلم! إنه الحلم ذاته! وتساءلت: هل أنا الآن في حلم حقًا؟! فاضت عيناي بالدموع.. السلام عليكم ورحمة الله، انتهيت من الصلاة، ورحت أتأمل الجدران الرمادية! تملّكني الخوف والرهبة عندما شعرت لأوّل مرة بالحب، الذي لا يُنال إلا بالعودة إلى الله.

-----------------------------------------------------

المصدر:

لانغ، جيفري (2013)؛ حتى الملائكة تسأل.. رحلة إلى الإسلام في أمريكا؛ ترجمة منذر العبسي؛ دمشق: دار الفكر.

لانغ، جيفري (2000)؛ الصراع من أجل الإيمان.. انطباعات أمريكي اعتنق الإسلام؛ ترجمة منذر العبسي؛ الطبعة الثانية؛ دمشق: دار الفكر.

 


تعليقات (
0
)

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وإنما هي وجهات نظر أصحابها فقط.